مشاعر الامومة سببها الهرمونات
ترى ما هي أسباب هذا الشعور العاطفي المتدفق الذي يربط الاُم بطفلها ، فتحنو عليه وترعاه وتحيطه بدفئها وبحبها ؟
هل أسبابها الغريزة الفطرية التي اوجدها الله سبحانه في مختلف انواع مخلوقاته من الاناث ؟ واذا كان الامر كذلك فكيف يستطيع العالم ان يفسر لنا هذه الظاهرة تفسيراً مقبولاً من أجل العقول التي لا تعي هذه الامور الا من خلال المنطق والعلم التجريبي ؟
الان وللمرة الاولى . تكشف الدراسات العلمية عن ظاهرة كيميائية فريدة من نوعها تتصل بالعلاقة العاطفية الخاصة التي ترتبط بين الاُم وطفلها . فلقد اعلن منذ عدة اسابيع قليلة الدكتور « روبرت بريدجز» من كلية طب جامعة هارفارد الاميركية . ان مشاعر الامومة الفياضة مثل رغبة الاُم في ارضاع طفلها واحاطته بعطفها ودفئها ، انما تعود بالدرجة الاولى الى عمل بعض الهرمونات في جسمها فالهرمونات طائفة كبيرة في المواد الكيميائية المتخصصة التي تعززها مجموعة من الغدد الصماء في الجسم ـ أي غدد من دون قنوات نصب فيها افرازاتها المختلفة بل تصبها في الدم مباشرة . هذه الهرمونات تحافظ على صحته وحيوية خلايا الجسم وانسجته واعضائه المختلفة . كما تشجع على النمو واظهار صفات الذكورة والانوثة المميزة . بالاضافة الى انها ذات صلة وثيقة بمشاعر الحب والعداء والخوف والقلق التي كان يعتقد في الماضي انها حالات ذهنية او نفسانية طارئة تنتاب الانسان .

الذكور صارت « اناث » مع الصغار
وفي التجارب العلمية التي اجراها « بريد جز » استطاع ان يجعل مجموعة من ذكور الفئران تتصرف مثل الاناث الامهات ازاء الصغار . وذلك بعد حقنها بجرعات من هرمون « استراديول » و « بروجتيرون » وهما الهرمونان الانثويان اللذان يتوافران بكثرة في جسم الاُم أثناء الحمل . وبعد يومين من الحقن بالهرمونات . اخذت ذكور الفئران تبني الحجور مثل الاناث وتحنو على الصغار لتحيطها بالدفء والرعاية تماماً كمل تفعل الاناث .
ويعلق الباحث على هذه النتائج المثيرة بانها توحي بان قوة استجابة الاُم لمولودها الجديد ربما كانت تعتمد الى حد كبير على تلك الهرمونات الانثوية التي تلف وتدور داخل جسمها عبر الدم . كما انه لا ننسى وجود عوامل اُخرى كيميائية يمكن ان تلعب ايضاً دوراً مهما في تحريك مشاعر الاُمومة مثل المواد المخدّرة الطبيعية التي يغرزها الدماغ مثل مادتي « الاندورفين » و « الاتكفالين » وكلاهما يرتفع في جسم المرأة اثناء الحمل وينحفضا بعد الولادة مباشرة . وعليه فان الباحث يذهب الى الاعتقاد بأن انحفاض مستويات المواد المخدّرة الطبيعية له علاقة ايضاً بمنشأ الشعور بالامومة بين الاُم وطفلها .
وفي ضوء تجارب أخرى يعتقد الدكتور « بريدجز » ان العلاقة العاطفية القوية بين الاُم وطفلها يمكن الاخلال بها اذا كانت الاُم تكثر في تناول العقاقير المخدرة والمسكنات ( مثل الفاليوم او بعض العقاقير المسكنة التي تعطي للام الحامل اثناء الوضع ) فهذه العقاقير تؤخر نشوء تلك العلاقة الى انه يزول مفعولها من الجسم بعدها تعود الامهات تحنو على صغارها من جديد . وتحيطهم برعايتها المعهودة .

الهرمونات والحالة النفسية
وفي تجارب عديدة اخرى على اهمية الدور الذي تلعبه الهرمونات في الاحساس بمشاعر الخوف والقلق والحب والعداء ، مثلما نصعق لصدمة ما في حياتنا او يتولانا الذعر او تسيطر علينا العواطف المتبادلة مع حبيب او صديق ، فان اجسامنا تتفاعل مع تلك الحالات تفاعلاً كيميائياً تتضافر فيه فئات معينة من الهرمونات والمرسلات العصبية ( ناقلات الاثارات بين الدماغ وشتى انحاء الجسم ) وغيرها من العوامل الكيميائية والبيولوجية الاخرى .
وبذلك تكون حصيلة هذه التفاعلات شعورنا بمثل هذه الحالات النفسانية المختلفة .
ويرى علماء « البيولوجيا النفسانية » في جامعة ستانفورد الاميركية ان الاستجابات الهرمونية في الجسم هي بمثابة نافذة على الدماغ .
فبتحليل هذه الاستجابات المختلفة يمكن منها الاستدلال على حالة الدماغ . ويقوم هؤلاء العلماء الان باجراء اختبارات مستفيضة على القردة لدراسة التأثيرات الييولوجية الناتجة من القلق والخوف .
ففي احد الاختبارات مثلا اكتشفوا ان القردة تتخذ من جماعتها وسيلة للتخفيف من حد القلق والخوف عند مواجهة الاخطار .
وملخص التجربة التي اثبت ذلك أنهم وضعوا في وسط مجموعة من القردة صندوقاً يحتوي على افعى كبيرة . فدب الرعب في القردة . وابتعدت جميعها بسرعة عن الصندوق . ثم اعيدت التجربة بوضع صندوق هذه المرة امام قرد واحد في القفص . فدب الرعب وابتعد هو الاخر عن الصندوق بسرعة .
ولكن مع فارق كبير . اذا تبين ان الضغوط النفسانية ( الفسيولوجية ) الناتجة من الرعب كانت أعلى بكثير من القرد . عندما واجه الافعى وحده .
مما كانت عليه عند ما كان القرد ضمن الجماعة . واستطاع العلماء ان يتبينوا مستوى الضغط الفسيولوجي في القردة بقياس مستوى مادة « الكورتيزول » المتكونة في الدم .
وهي في الهرمونات التي تفرزها الغدة الكظرية ( الموجودة على قمة كل كلية ) في اوقات الشدة والقلق ويفسر العلماء نتائج هذا الاختبار بانها من الدلائل الفسيولوجية الواضحة التي تبين ان رد الفعل في الفرد لحالة الخطر يكون اقل شدة من الجماعة مما يكون لو كان الفرد بمفرده . ويعلقون على ذلك ايضاً بأنهم اذا لم يقيسوا مستوى الهرمون في اجسام القردة ، وركزوا فقط على دراسة سلوكها ، لما تمكنوا من اكتشاف اهمية الجماعة في التخفيف من حدة الرعب والخوف .