الشباب وتقليد العالم الغربي


الشيخ محمد تقي فلسفي

( فبشر عباد * الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ) .

[القرآن الكريم]


ثروات الحياة :
استمرت حياة المجتمعات البشرية عبر العصور بفضل ثروتين كبيرتين .
الاولى : الذخائر التي خلقت بقضاء وحكمة الله تبارك وتعالى في وجود الإنسان مثل : العقل ، والذكاء ، والغرائز ، والقوى الطبيعية الاخرى .
الثانية : ما اكتسبه الإنسان بفضل سعيه وجهده ، مثل : العلوم ، والفنون ، والمعلومات المكتسبة الاخرى .
ولكي تبقى هاتان الثروتان الثمينتان ، وتنتقل من الأسلاف إلى الأخلاف ، فقد تقرر بأمر الخالق ، عز وجل ، أن يقوم عاملان مهمان وقويان بنقل صفات ومميزات النسل السابق إلى النسل اللاحق ، هما :
الأول : الوراثات الطبيعية ، والثاني : التقاليد الاجتماعية .
وتقوم الوراثات الطبيعية بمهمة نقل الصفات الفطرية والتكوينية .
بينما تنقل التقاليد الاجتماعية المعلومات والتجارب والصفات المكتسبة .


( 2 )

الوراثة الطبيعية والمكتسبة :
إن منشأ الوراثة هو الجينات (1) التي تكمن ، طبقاً لنظام دقيق في نواة الخلية ، وتنقل جميع الصفات والمميزات الطبيعية للآباء والاُمهات ، المشمولة بقانون الوراثة ، إلى الأبناء ، وينشأ الجنين في رحم الاُم وفق هذا القانون .
أما منشأ الصفات الإكتسابية فيعود إلى بيئة العائلة والمجتمع ، إذ إن الطفل بعد الولادة يتعلمها عن طريق التقليد والإقتباس ، عن وعي أو جهل ، ثم يتصف بهذه الصفات بالتدريج وخلال سنوات .
والحيوانات أيضاً وكالإنسان ، ترث صفات آبائها واُمهاتها وتعيش عليها وتنشأ ، مع اختلاف وهو أن الحيوانات تكون صفاتها طبيعية تنتقل إليها بالوراثة ولا تحتاج إلى تعليم تقليدي .
أما الإنسان فعليه أن يتعلم بالتقليد وبالمعلومات المكتسبة أكثر برامج الحياة وشروط استمرارها .
بعبارة اخرى إن البهائم والحيوانات المفترسة تعرف واجباتها طبقاً للوراثة الطبيعية الممتزجة بوجودها ، فهي تعرف ظروف حياتها وما تحتاج إليه لإشباع هذه الحاجة من طعام وسكن ، بالإضافة إلى طريقة التناسل وتربية صغارها وهذا يعني أنّ مساحة الهداية التكوينية كبيرة جداً بحيث تستجيب لجميع احتياجاتها في مختلف شؤون حياتها ، ولا تحتاج إلا للقليل من التعليم التقليدي .
والطيور أيضاً وعن طريق غرائزها تعرف جميع برامج وظروف حياتها ، والهداية التكوينية الإلهية قوية جداً فيها لدرجة أنها تعلم كيفية بناء أعشاشها والحفاظ على الفراخ ورعايتها وحمايتها من الأخطار دون الحاجة إلى تلقي
____________
(1) Genetics التركيب الوراثي : الخصائص الموروثة لكائن حي أو لمجموعة من الكائنات الحية ، أصل شيء أو تكونه . ( المترجم ) نقلاً عن ( المورد ) .
( 3 )

تدريبات من الآباء والاُمهات وتقليدهم .
« إذا أخرجت فرخ طيرمن عشه ، وقمت بتربيته في بيئة اخرى ، فإنه ما أن ينمو ويكبر حتى يبدأ ببناء عش باُسلوب وطريقة والديه » (1) .

الانسان والميراث الاجتماعي :
إن الإنسان ، بعكس الحيوان ، غرائزه محدودة ، والهداية التكوينية لديه لا تستجيب لكل جوانب حياته . ولهذا السبب ، ولكي يستمر في الحياة ، يحتاج إلى إرث إجتماعي ، وعليه أن يستفيد من مجموع تجارب ومعلومات الآخرين ويقلدهم حتى يستطيع بالمعلومات التي اكتسبها ، الاستمرار في الحياة .
ومن البديهي أنه كلما اتسع نطاق الحياة العلمية والصناعية ، واكتسب المجتمع حضارة أوسع فإن حاجة الإنسان للمعلومات العلمية والمبادئ التقليدية تزداد .
الجدير بالملاحظة أن الميراث الإجتماعي ، في الماضي ، كان يمكن الحصول عليه بسهولة ، لأن معلومات البشر ، في المسائل الحياتية المختلفة كانت بدائية وسطحية ، فالفتيات والفتيان كانوا يستطيعون أن يتعلموا أعمال الكبار في الأمور المختلفة بالمشاهدة عن قرب وتقليدها ، وهكذا يرثون تجارب الجيل السابق لهم .
لكن ليس من اليسير في عالم ارتقت فيه علوم الإنسان إلى مستويات عليا من تعلم واستيعاب بعض القضايا العلمية المعقدة ، وليس أمام الشباب إلا طريق التعليم العالي وقراءة الكتب العلمية وبذلك يمكنه أن يرث الجيل السابق ويحصل على معلوماته وتجاربه .
____________
(1) سر خلق الإنسان ، ص 84 .
( 4 )

ضرورة التربية والتعليم :
« يقول جون ديوي : إن جميع ما يرثه البشر من المواريث لا يستفاد منه بصورة مباشرة من قبل الأفراد ، وبالتالي يجب أن يعلم قسم مهم وضروري منه إلى الأفراد بشكل من الأشكال ، وهنا نتبين أهمية وضروة التعليم والتربية الإلزاميين والدروس المكتوبة أو المقروءة ولا يمكن نقل الإرث الحضاري الثمين دون استخدام اللغة التي يعتبر الخط صورة عنها ، ولهذا السبب فإن التعليم والتربية ، في المجتمعات المتحضرة ، يرتبطان بالكتاب ، ومن لا يعرف الكتابة فإنه لا يستطيع أن يستفيد شيئاً من التربية والتعليم » (1) .

تقليد الماضين :
إن غزيزة التقليد لدى الإنسان هي من المواهب الكبيرة والقيمة التي وهبها الله تبارك وتعالى ، وتعتبر من الأركان الأساسية في الحياة الإجتماعية . إن نشاط غريزة التقليد يبدأ منذ مرحلة الطفولة ، وهذا النشاط يستفيد منه الإنسان في مراحل الشباب والرجولة والشيخوخة ، فعن طريقها يرتبط الإنسان بالأجيال السابقة ويقتبس تجاربهم ومعلوماتهم ويعد نفسه لظروف الحياة وبذلك يعوض عن النقص في غرائزه .
إن غريزة التقليد تقوم بصورة إرادية أو لا إرادية بنقل التقاليد والأخلاق والسنن ، واللغة والآداب وبقية القيم الاجتماعية جيلاً عن جيل ، وتنقذ ميزات الشعوب والأقوام من خطر الفناء والزوال .

اقتباس المناهج السلبية :
إن غريزة التقليد ، مثل بقية الغرائز ، خلقت بحكمة الله عز وجل في
____________
(1) مقدمة على فلسفة التربية والتعليم ص 44 .
( 5 )

وجود الإنسان على أساس مصلحة وضرورة الحياة ، ولو استخدمت هذه الغرائز بصورة صحيحة بهدف الاستفادة من الأساليب الصحيحة للآخرين فإن ذلك يؤدي إلى رفاه وسعادة وكمال في حياة الإنسان ، وبعكس ذلك إذا سارت الغرائز بصورة غير صحيحة ، واقتبست الأساليب الشريرة في المجتمع فإن مآل ذلك التعاسة للإنسان .
وما أكثر الأشخاص الذين ورثوا الصفات الحميدة من الماضين نتيجة التربية العائلية الصحيحة ، ولكن رفاق السوء في سني الشباب والرجولة تركوا بصمات واضحة على سلوكهم اللاحق الذي تدرج من خلال التقليد والاقتباس حتى تبدل إرث التربية العائلية من مكارم الأخلاق إلى رذائل الأعمال .
وبالتالي سبب تقليد هذه الفئة الشقية في سنوات العمر اللاحقة تعاستهم وألحق أضراراً بسمعة وكرامة وشرف أسلافهم وأخيراً أوجد أرضية صالحة لانحراف الجيل التالي من أبنائهم .
قال علي عليه السلام : « من لم يؤكد قديمه بحديثه شان سلفه وخان خلفه » (1) .

العقل وغريزة التقليد :
إن غريزة التقليد مثل بقية الغرائز عمياء لا تشعر ، ولا تفهم الخير من الشر ، ولا تهتم بالصالح أو الطالح ، وإنما تبغي إشباع مطالبها ، ولكي لا يتنشط غريزة التقليد وتخرج عن نطاق المصلحة ، وتدفع الإنسان إلى الاقتباس الأعمى المتسم بالضرر والأخطار وتمهد لسقوط وانحطاط الإنسان لابد من تسليم زمامها إلى قوة العقل والتفكير لتحديد فعاليتها بقوته .

منهاج الأنبياء :
إن كل موضوع يراد تقليده يجب أولاً اخضاعه لدراسة العقل وتقييمه من كل الجوانب ، فإذا كان مفيداً تم تقليده ، وإذا كان مضراً رفض . إن هذا
____________
(1) غرر الحكم ص 799 .
( 6 )

التقليد المعقول الصحيح بإمكانه أن يورثنا تجارب ومعلومات الآخرين من جهة ، ومن جهة اخرى يصوننا من الأقتباسات المضرة وأخطارها . وهذا الاسلوب هو الذي سار عليه الأنبياء الإلهيون وبنوا عليه أساس برامجهم التربوية وتمكنوا بقوة العقل من إنقاذ الناس من أسر التقاليد الحمقاء .
لقد ورث المشركون الجاهليون تقاليد وعادات عبادة الأوثان من أسلافهم ، فعبدوا الآلهة التي يصنعونها بأيديهم ويخضعون لها ، وعندما بعث النبي إبراهيم الخليل عليه السلام بالرسالة الإلهية ، فإنه نهض لإنقاذ الناس من الجهل وبدأ عمله لتحريرهم ، وسألهم لماذا تعبدون هذه الأصنام التي لا روح فيها ولا نفع ؟ !
( قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين * قال لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين ) (1) .
وتحدث النبي إبراهيم الخليل عليه السلام مدة من الزمن مع الوثنيين وسعى لإيقاظ وتنوير عقولهم التي كانت تغط في سبات عميق لتحريرهم من عبودية الأوثان ، ولم تؤثر أحاديثه فيهم وبقوا في غيهم يقمحون متمسكين بجهلهم . وعندما وجد إبراهيم عليه السلام أن تبليغه الكلامي لا أثر له صمم على تحطيم الأصنام وإزالة هذه المعبودات الوهمية ، عله يستطيع بهذا الأسلوب أن يغير أفكار الناس ويدفعهم إلى التفكير والخلاص من كل هذا الجهل الذي يغرقون فيه . وذات يوم انتهز الفرصة ، وقام أثناء غياب الناس بتحطيم الأصنام وبذلك نفذ ما عزم عليه .

إبراهيم ( ع ) محطم الأصنام :
لقد أغضب الناس ما قام به إبراهيم عليه السلام من تحطيم لأصنامهم غضباً شديداً وأحدث فوضى في المجتمع ، فقد هاج النساء والرجال ، والشيوخ
____________
(1) سورة الأنبياء ؛ الآيتان : 53 و 54 .
( 7 )

والشباب ، والفقراء والأغنياء ، وطالب الجميع بمعاقبة خليل الرحمن عليه السلام فاستدعي إلى محكمة وطنية وبدأ التحقيق معه بحضور الناس ، ولكي يحصل النبي إبراهيم عليه السلام على ثمرة جهاده ويحطم أعلال الوهم وينقذ المجتمع من أسر التقاليد العمياء فإنه تحدث إليهم بعنف وصاح فيهم :
( اُفً لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون ) (1) .
التفكير والتحرر من الجهل :
لقد استخدم الأنبياء عليهم السلام في مناهجهم التربوية قوة العقل ولكي يحطموا التقاليد الخاطئة ويبينوا للناس عدم جدوى التقاليد غير المدروسة ، فقد دفعوهم إلى استخدام العقل والتفكير وبهذه الطريقة تمكنوا من تحريرهم من أسر عبادة الأوثان وأوهامها .
فيما يتعلق بالتقليد والاقتباس هناك موضوعان أساسيان يجب أن يؤخذا بعين الإعتبار :
الأول : يجب أن يعرف ( المقلد ) هدفه من العمل الذي يريد تقليده ولماذا يتابعه .
الثاني : أن يعرف الطريق الموصل إلى الهدف ، وكيف ينال مبتغاه .

العقل وهدف التقليد :
في التقليد العقلاني ، يعرف هدف العمل من خلال الدراسة العقلية ، حيث يقوم ( المقلِّد ) بدراسة العمل من جميع الجهات ، ولكن للوصول الى الهدف يقوم بالاستفادة من تجارب الآخرين ويقلد اسلوبهم .
بعبارة اخرى إن الأشخاص العقلاء لا يقلدون هذا وذاك للوصول إلى الهدف ، ولا يتبعون الآخرين بصورة عمياء ، وإنما يستمعون للمسائل المختلفة
____________
(1) سورة الأنبياء ؛ الآية : 67 .
( 8 )

من الناس ويرون أعمالهم في شؤون الحياة ، وما يرونه جديراً بالملاحظة يدرسونه من جميع الجوانب ، فإذا كان مضراً رفضوه ، وإذا كان مفيداً اختاروه ، وبعد ذلك يتبعون أسلوب المجربين في ذلك ، ويقلدونهم ، ويسمي القرآن الكريم هذه الفئة بالمهتدين العقلاء :
( فبشر عبادِ الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه اُولئك الذين هداهم الله واُولئك هم اُولوا الألباب ) (1) .

التقليد الأعمى :
إن الأشخاص البلهاء والجهال ، وكذلك الأطفال الصغار الذين لم تنضج قوة تفكيرهم ، يقعون تحت تأثير الأشخاص الأقوياء ، ولكي يتشبهوا بهم يقلدون أعمالهم تقليداً أعمى ، دون أن يميزوا الخبيث من الطيب ، ودون أن يعرفوا الهدف الأساس وما سينتج عنه ، من الواضح أن مثل هذا التقليد لا قيمة له علمياً ولا عقلياً ، وربما كان في بعض الأحيان مضراً وخطراً .
« مما لا شك فيه أن الشخص الذي يقلد الآخرين في اختيار الهدف يكون عمله بلا جدوى ، لأن البلهاء هم الذين يختارون أهدافهم عن طريق تقليد الآخرين ، ولهذا السبب فإن أعمالهم تكون هشة سرعان ما تنهار ، إنهم في الظاهر يعملون عمل الآخرين ، ولكنهم يقومون بالعمل بصورة ميكانيكية دون روح أو معنى ، إن مثل هذا التقليد يشبهونه بعمل القرد أو الببغاء » (2) .
أحياناً يقوم الأشخاص الذين لا قيمة لهم ، أو المجتمعات المتخلفة ، بتقليد الأفراد أو المجتمعات المتقدمة الكبرى ، ويتصرفون مقلدين كالأطفال والبلهاء دون دراسة أو تمحيص ويتصورون أنهم يتخلصون من الحقارة والذلة
____________
(1) سورة الزمز ؛ الآية : 18 .
(2) مقدمة على فلسفة التربية والتعليم ص 42 .

( 9 )

بهذا التقليد ، وأنهم يصبحون كباراً وعظماء مثل من يقلدونه . غافلين على أن هذه التقاليد العمياء وغير المعقولة لن ترسخ ذلتهم فحسب ، بل تزيد منها ، وتضيف الحماقة وعدم النضوج الفكري إلى بقية نقاط ضعفهم .
قال علي عليه السلام : « الناس من خوف الذل تعجلوا الذل » (1) .

تقليد أم استجابة :
إن التقليد ، في الحقيقة ، نوع من الرد أو الجواب من المقلِّد إلى المقلَّد فالشخص الذي يشاهد عملاً ويقع تحت تأثيره ويقلِّده ، فهو في الحقيقة يجيب عليه ، ومقابل ذلك العمل يبدي عملاً مشابهاً . فإذا كان ذلك التقليد غير مدروس ، عندها يجب القول إن جواب المقلِّد كان سطحياً ولا قيمة له ، وإنه تقليد أعمى ، وأما إذا كان مدروساً فيمكن القول إن جواب المقلَّد كان عميقاً وذا معنى ، ومثل هذا التقليد المعقول يمكنه أن يكون مصدر تعليم صحيح يؤدي إلى رقي الفرد والمجتمع .

الاستجابة الجسدية والذهنية :
« يقول جون ديوي : يجب أن نعلم أن انسجام الإنسان مع الأشياء له وجهان مختلفان ؛ الانسجام الجسدي ، والانسجام الذهني . إن تحريكاً خارجياً يمكنه أن يدفع الجسد إلى استجابة معينة ، لكنه لا يوحي للذهن أن يبدي أي استجابة ما لم يكن التحريك بصورة ذهنية ذات معنى .
إن اُذني عندما تلتقط صوتاً غريباً لم يسبق لي أن سمعته فإنه يثيرني دون إرادة أو تفكير وأما الصوت المعروف مثل صوت أو صفير إطفاء الحريق ( الذي له معنى لدي ) فإنني أهب بمجرد السماع علماً بوجود حريق ، ولإطفائه أذهب نحو الماء .
____________
(1) غرر الحكم ص 104 .
( 10 )

إن الجواب الأول هو استجابة جسمية والآخر استجابة ذهنية . أسمع صوتاً هادراً ، فيحرك جسدي ، فأتأمل قليلاً ، ثم أكتشف أنه صوت ( رعد ) ، إن حركتي مقابل صوت الرعد حركة جسدية ، وتمييز صوت الرعد حركة ذهنية .
إن استجابتنا للمؤثرات الخارجية إذا كانت ذات معنى فإنها استجابة مقرونة بعمل وقصد ، وأما إذا لم تكن مقترنة بمعنى فإنها استجابة عمياء غير واعية وبعيدة عن العقل » (1) .

المنابهة والمحاكاة :
بعض علماء الإجتماع يسمون التقليد الأعمى باسم ( المنابهة والمحاكاة ) وهم يقصدون أن شخصاً يقوم بعمل ، وآخر يشاهد ذلك العمل فيقع دون إرادة تحت تأثيره ، وبدون إرادة أيضاً يقلده ويقوم بذلك العمل إن مصدر هذا ( التمثيل ) في التصرف ليس محاسبة عقلية وإنما انتباه يؤدي إلى ( محاكاة ) العمل .

سلوك تلقائي :
ـ يتحدث خطيب مقتدر في موضوع يهتم به الناس ، فيتحمسون ويقع بعض المستمعين تحت تأثير كلمات الخطيب فيصبحون بدون إرادة مثل الخطيب فعندما تبدو في ملامح الخطيب علامات استغراب من أمر ما ، فإنها تنعكس على ملامحهم أيضاً وعندما يتجهم وجه الخطيب ، يتجهم اُولئك أيضاً ، وكذلك عندما يغضب يغضبون ، وعندما يبتسم يبتسمون . إن هذا التماثل والإنسجام لم يكن برغبة المستمعين أنفسهم وإنما جرى ذلك بإيحاء تلقائي وبشكل ( منابهة ، ومحاكاة ) لأعمال الخطيب .
ـ يحتدم نقاش بين شخصين حول موضوع ، وأثناء الكلام تظهر عليهما حيناً الحدة ، وحيناً الهدوء ، وقد يكونان في وضع عادي أو غير عادي ، ويكون إلى جنبهما شخص ثالث يهتم بموضوع النقاش أو له مصلحة فيه ، يشاهد ما
____________
(1) مقدمة على فلسفة التربية والتعليم ص 36 .
( 11 )

يجري بين الإثنين ، وبدون أن يعلم فإن ملامحه تتغير طبقاً لما يشاهده ، ويتحرك مع حركاتهما ، وينسجم معهما . إن أمثال هذه الأعمال غير المدروسة تسمى : ( المنابهة والمحاكاة ) ، وتشاهد بكثرة يومياً لدى تصرفات الناس .

التلقين والاضطرابات الاجتماعية :
أحياناً تظهر حالة ( المنابهة والمحاكاة ) في محيط اجتماعي واسع وبين أوساط شعوب بطيئة النمو ، ويحدث ذلك عندما تنفعل جماهير مجتمع وبدون إرادة يقومون بسلوك متماثل ، مما يدل على أنهم وقعوا تحت تأثير التلقين ، وتحركوا دون دراسة أو تخطيط ودن الاهتمام بحسن أو سوء ذلك العمل .
ومن الممكن أن يسلك الناس طريقاً صحيحاً ومثمراً نتيجة التلقين المفيد النافع ، فيجنون بذلك ثمار وفوائد العمل ، وبالعكس فإن التلقين السيئ والمضر يسوقهم نحو طريق لا يجنون من ورائه غير الأضرار الكبيرة التي لا تعوض . على أية حال إن أعمال الناس في الحركات العامة عمياء وغير مدروسة ، وتتم على أساس ( المنابهة والمحاكاة ) وغالباً ما تأتي بنتائج ضارة .

التصرفات الجنونية :
يقول علماء الاجتماع : في الانتفاضات العامة يميل العقل نحو التشويش ، وتزول قدرة التمييز ، وكأن الناس يصابون بالعمى والصمم ، فيرتكبون الأعمال الجنونية ، إن الحماس والهيجان العام كالعاصفة التي تقلع كل شيء من الجذور ، فهي تجرف كل ما يتعرض طريقها بقوة ، تحطم وتدمر ، ولا تبقي وراءها غير الأضرار .
« بناءً على نظرية ( لوبن ) فإن الفرد يفقد شخصيته الواعية في المجتمع ، ويتبع تلقينات الجماعة ، تماماً مثل الشخص الواقع تحت تأثير المغناطيس يعمل بما يشير عليه عامل الكغناطيس . يصبح شخصاً من شخصيات الغوغاء الذين هبطوا عدة درجات في سلم الحضارة . ومن الممكن أن يكون شخصاً استثنائياً في التربية


( 12 )

والعقل ، ويقوم ، عندما يخلو وينفرد بنفسه ، بالتفكير في عواقب تصرفاته ، ولكنه من الممكن أن يتحول من الغوغاء إلى ( وحش ) ويقع دون تفكير تحت تأثير الغريزة فتصدر منه أعمال غير مدروسة . إن الإنسان ، بين جموع الغوغاء هذه ، يسقط إلى درجة من الوحشية بحيث يتبع بصورة عمياء أي تلقين يتعرض له ، فيقوم بأعمال مخالفة لعاداته وأفكاره بدون أي تردد . إن الشخص بين مثل هذه الجموع برأي ( لوين ) أشبه ما يكون بالرمال التي تذهب بها الريح حيثما تشاء .
ومع ذلك فإن جموع الجماهير لا تقوم دائماً بالأعمال الظالمة والخاطئة ، ولكن بما أنها تعمل بتأثير التقلين فمن الممكن أن تبدي فعاليات وأعمالاً تتصف بالخير والمحبة .
على أي حال فإن عمل المجموعة في الظروف العادية والطبيعية هو أقل درجة من عمل الفرد فكرياً ومعنوياً . ويعتقد لوبن ( أن الحمق والبله يتراكم في المجموعات وليس العقل والدراية ) . وسبب هذا الإنحطاط هو زوال القدرة والاستعداد والقوى الخلاّقة والإبتكار الشخصي ، فيتبدل الأشخاص إلى أفراد لا قيمة كبيرة لهم . ومما لا شك فيه أن العمل الذي يتم بتحريك من الغريزة والتلقين ، هو أكثر انحطاطاً من العمل الذي يتم عن طريق العقل والتفكير » (1) .
قال علي عليه السلام في صفة الغوغاء : « هم الذين إذا اجتمعوا ضروا وإذا تفرقوا نفعوا » (2) .

الحيوان والمنابهة والمحاكاة :
لا تختص ( المنابهة والمحاكاة ) بالإنسان وحده ، بل هي موجودة لدى
____________
(1) علم الإجتماع صموئيل كينغ ص 395 .
(2) نهج البلاغة كلمة 190 .

( 13 )

القردة والحيوانات الاخرى التي تعيش جماعياً بصورة غريزية ، وكالخراف وغيرها التي تعيش في قطعان ، فإنها تتحرك مع بعضها البعض بتقليد أعمى ، ويقلدون أعمال بعضهم البعض على أساس ( المنابهة والمحاكاة ) .
« يقول نقولا حداد : لو أننا وضعنا عصاً في طريق ضيق بصورة اُفقية ، وأردنا الخراف أن تجتاز ذلك الممر فإننا نشاهد أن الخروف الأول عندما يصل إلى العصا يحاول العبور فيقفز من فوق العصا وبقية الخراف تقتدي بالخروف الأول وتقفز من فوق العصا لتصل إلى الطرف الآخر .
وبعد عبور نصف عدد الخراف وإذا رفعنا العصا ، بقيت تتواثب إلى أن تعبر كلها كأن العصا لا تزال موجودة . إن قفز النصف الأول من الخراف كان بسبب الضرورة لاجتياز المانع ، ولكن النصف الثاني كرر هذا العمل نتيجة ( المنابهة والمحاكاة ) » (1) .

اختلاف المستوى الثقافي :
في عالم الإنسان ، تختلف درجات ( المنابهة والمحاكاة ) باختلاف السن والمستوى الثقافي ، ويمكن مقارنة درجاتها بمعيار العقل والإرادة عند الناس فكلما كانت نسبة التعقل والإرادة ضعيفة كلما اقتربوا من عالم الحيوان ، وازدادت نسبة ( المنابهة والمحاكاة ) لديهم . وبالعكس كلما ازدادت نسبة قوة العقل والإرادة فإن نسبة ( المنابهة والمحاكاة ) تضعف .

الطفل والتقليد غير المدروس :
الأطفال في السنين الاولى من حياتهم ونتيجة عدم نضوج الفكر وضعف الجسم بالنسبة للآخرين فإنهم يقعون تحت تأثير من هم حولهم ، ولهذا السبب ودون إرادة يقومون بتقليد أعمال الآخرين نتيجة ( المنابهة والمحاكاة ) ، فالطفل
____________
(1) علم الإجتماع لنقولا حداد ج 1 ص 93 .
( 14 )

الذي لم ينضج عقله بعد ولم تنم إرادته فإنه يأخذ عن الآخرين أعمالهم دون دراسة ويكررها دون تفكير .

معلومات مرحلة الطفولة :
إن مخ الطفل حساس كآلة التصوير ، فهو مستعد للعمل في ساعات اليقظة ، وتؤثر فيه الأعمال الطيبة والأحاديث الحسنة أو السيئة التي يسمعها ويقوم جهازه المخي تلقائياً بتصويرها ، والطريف أن هذه الصور هي التي ستحدد طريق واُسلوب حياته المستقبلية ونهجها . أي عندما يكبر الطفل ويضع أقدامه في المجتمع ، يعمل وفق ما تعلمه في طفولته ، وفي الحقيقة إن الافلام التي صورها وخزنها أيام الطفولة في ذهنه ، تظهر في شبابه ، فيجعلها برنامجاً لحياته ويعيش بين الناس طبقاً لتلك الأفكار .
والملاحظ أن تعاليم مرحلة الطفولة تكون لها جذور عميقة ، وترسخ في الذهن ولا يمكن محوها بسهولة ، ولهذا السبب فإنها تبقى حتى نهاية العمر .
عن علي عليه السلام أنه قال : « العلم في الصغر كالنقش في الحجر » (1) .

ارتكاب الذنب على مرأى من الأطفال :
الأعمال القبيحة والكلام البذيء هو مضر ومذموم دائماً وفي كل مكان ، ولكنهما أمام الأطفال الصغار أسوأ وأكثر ضرراً ، لأن الأطفال يتعلمون أعمال الآخرين بدون وعي ، ويحفظونها في أذهانهم ، ويتصرفون طبقاً لها . إن الأشخاص الذين يرتكبون ذنباً أمام الأطفال ويعملون سوءاً أمام أنظارهم وأسماعهم الحساسة ويقولون السوء ، فهؤلاء في الحقيقة يرتكبون جريمتين ؛ الأولى أنهم يرتكبون الذنوب ، والثانية أنهم يصنعون إنساناً مذنباً .
إن الآباء والاُمهات الذين يهمهم حسن تربية أطفالهم ، ويرون أنفسهم مسؤولين أمام الله تبارك وتعالى ، عليهم مراقبة أعمالهم دائماً ، وأن لا ينسوا أبداً
____________
(1) بحار الأنوار ج 1 ص 69 .
( 15 )

إن ( المنابهة والمحاكاة ) لدى الأطفال قوية وأن كل حسن أو يسيئ من الإعمال أمامهم أو الكلام الطيب أو الخبيث يرسخ في ذهن الطفل ، فيتعلمونه دون إرادة ويقومون به دون تفكير .
إن الاُسر التي يتصف فيها الوالدان بالعنف الخشونة واللسان البذيء وتتبع عيوب الآخرين والكذب والنفاق وغيرها من الخصال السيئة ، فإن أبناءهم ينشأون مثلهم بنفس الاخلاق السيئة ، وعندما يكبرون فإنهم بالدرجة الاولى يكونون سبباً لتعاسة الوالدين ، وبعد ذلك يصبحون بلاءً على سائر الناس . وهذا يبين مدى آثار ما تعلموه في مرحلة الطفولة حتى نهاية العمر .

الحمقى والمنابهة والمحاكاة :
إن الحمقى أيضاً مثل الأطفال الصغار يقعون تحت تأثير ( المنابهة والمحاكاة ) وتقليد الآخرين بشكل لا إرادي ، فهؤلاء وبسبب قصور العقل وعجز الفكر لا يستطيعون تحليل وتفسير المسائل ومعرفة السليم من السقيم ولهذا السبب يقومون بإظهار موافقتهم أو اعتراضهم ، يصدقون ويكذبون دون تفكير ، وهذا هو دليل بين على حماقتهم وقصور أفكارهم .

اختبار العقل :
عن أبي عبدالله ( الصادق ) عليه السلام قال : « إذا أردت تختبر عقل الرجل في مجلس واحد فحدثه في خلال حديثك بما لا يكون فإن أنكره فهو عاقل وإن صدقه فهو أحمق » (1) .
إن الحمقى مستعدون لتقبل أعمال الآخرين بصورة عمياء ( لقلة عقلهم ) ، فهؤلاء يتعلمون أعمال الآخرين بدون حساب أو تفكير ، ويعتبرونها قدوة لهم ، ويقومون بها . وقد قال الإمام زين العابدين عليه السلام عن قصور ذهن الأحمق : « لا علمه من نفسه يغنيه ولا علم غيره ينفعه » (2) .
____________
(1 و 2) سفينة البحار ج 1 مادة ( حمق ) ص 341 .