شذرات من تراث الإمام السجّاد عليه السلام

(رسالة الحقوق)

ام علي مشكور

بسم الله الرحمن الرحيم

التمهيد

الحمد لله رب العالمين، وسلام على عباده الذين اصطفى، محمد(صلى الله عليه وآله) وآله الطيبين الطاهرين، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين حتى قيام يوم الدين.

لقد من الله تعالى على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، وجعل له أوصياء على خلقه، وحججاً على بريّته، كي لا تسيخ الأرض بأهلها، وتُعمر بالنور في طخياء ديجورها وتنشر السعادة بين أبنائها، وذلك بإتباعهم واتخاذهم أئمة وسادة ، وهداة وقادة.

ومن هذه الصفوة الطاهرة، والدوحة المثمرة، بزغ نور المعصوم السادس، وأطلّ بطلعته الغرّاء فخرق بأشراقته ظلام الحنادس، من بيوت اذن الله ان ترفع ويذكر فيها اسمه، لأيام خلون من شعبان المعظم سنة ثمان وثلاثين من الهجرة الشريفة، الا وهو شبل الحسين بن علي بن ابي طالب، الملّقب بالسجاد والراهب، صلوات الله عليه وعلى آبائه وأبنائه الأطائب .

ووددت في هذه السطور المتواضعة أن التمس نوراً من أنواره، وانشق شمّة من نسيم صباه، وأمرّ بنظرة قاصرة على نفحة من نفحات تراثه المشرق، وكلامه الرباني ورسالته الإلهية الموسومة (برسالة الحقوق) الشريفة، التي تضمّنت خمسين حقّاً، أحاطت بالمكلف لايخرج منها في حال من الأحوال، وينبغي رعايتها والعمل بها والاجتهاد في تأديتها بعد الاستعانة بالله تعالى والتوكل عليه والتوسل بمحمّد وآله(صلوات الله عليهم أجمعين) ونظراً لأهمية هذه الرسالة المقدسة في حياتنا وآخرتنا وطلباً لشفاعة الإمام سيد الساجدين(عليه السلام) ارتأيت أن اشمّر الساعد، وأكتب بحثاً تعلق بهذه الرسالة، والمنهجية فيه كما يلي:

 

الفهرست

تمهيد2

نبذة من حياة الكاتبة5

شذرات من تراث الإمام السجاد(عليه السلام)

1 ـ نسبه الشريف6

2 ـ تاريخ ولادته المباركة7

3 ـ إمامته(عليه السلام)8

4 ـ في فضائل الإمام السجاد(عليه السلام)10

5 ـ الحكومات الجائرة التي عاصرها الإمام السجاد(عليه السلام)10

6 ـ غيض من فيض ما قيل في الإمام السجاد(عليه السلام)14

7 ـ موقعه في عرصة كربلاء وما تلاها من احداث اليمة16

من تراث الإمام السجاد (عليه السلام) (رسالة الحقوق) وفيه عدة محاور:

1 ـ في نسبة هذه الرسالة القيمة الى الإمام السجاد(عليه السلام)21

2 ـ سند رسالة الحقوق الشريفة24

سند الرسالة من كتاب الخصال24

8 ـ كيف نستفيد من هذه الرسالة في مجال التربية والتعليم32

9 ـ شرح بعض الفقرات النورانية من رسالة الحقوق الشريفة33

ـ نص الخصال34

ـ نص تحف العقول40

ـ شرح بعض الفقرات من رسالة الحقوق القيّمة52

10  ـ اثباتات امامة الإمام السجاد(عليه السلام) من خلال هذه الرسالة القيمة56

11 ـ حقوق الضعيفين57

الاعلان العالمي لحقوق الطفل62

خاتمة64

 

نبذة من حياة الكاتبة

ام علي "منى" بنت محمد جواد ابن آية الله الشيخ حسين مشكور الحولاوي .

ولدت في مدينة النجف الأشرف، ودرست فيها، ثم تركت العراق مهاجرةَ مع عائلتها سنة 1980 م إلى تركيا ثمّ بلغاريا ثمّ إيران .

درست في الحوزه العلمية في مدينة قم المقدّسة على يد أساتذتها، حتى وصلت إلى مرحلة البحث الخارج، ثم بدأت بتدريس علوم العربية والمنطق والأصول في الحوزات النسائية في قم المقدّسة .

حصلت على إجازة الرواية من زوجها الشيخ محمد الحسون ، وآية الله السيد محمد مهدي الخرسان، والأديب السيد عبد الرزاق الحسني .

تفرّغت للتبليغ وتوعية النساء داخل إيران وخارجها ، وحضرت عدّة مؤتمرات علمية ، وهي ترأس الآن دار الزهراء(عليها السلام) الثقافية في قم المقدّسة التابعة لمكتب آية الله العظمى السيد السيستاني ، لها عدّة مؤلفات مطبوعة منها :

1 ـ أحكام المرأة والأسرة طبقاً لفتاوى السيد السيستاني، طبع عدّة طبعات لحدّ الآن .

2 ـ معجم ما ألّف عن المرأة والأسرة ، (5) مجلّدات .

3 ـ أعلام النساء المؤمنات ، (900) صفحة، طبع عدّة طبعات .

4 ـ أشعار النساء المؤمنات .

5 ـ المرأة المسلمة وإجازة الحديث عند الفريقين .

6 ـ صوت المرأة في التشريع الإسلامي .

7 ـ المرأة المؤمنة بين الحوزة العلمية والجامعة .

8 ـ كاتبات باسم مستعار .

 

                                     الموقع على الانترنيت: www.darolzahra.com

                                         البريد الإلكتروني:[email protected] 

 

 

شذرات من حياة الإمام السجاد(عليه السلام)

1 ـ نسبه الشريف

في دار من دور النبوة العامرة بالأنوار القدسيّة، بزغت شمس الإمام أبي الحسن علي بن الحسين(زين العابدين)، (صلوات الله عليه وعلى آبائه وأبنائه الأطهار)، فإذا دانت المدينة المنوّرة بحلّة جديدة من الأنوار الحسينيّة، وانتشر عطر المعصوم السادس من بين أبوين عُرفا بخيرة العرب وخيرة العجم؛ لأن خيرة العرب هاشم، وخيرة العجم كسرى، فهو ابن الخيرتين، والزكي والعابد وذو الثفنات، والسجّاد(عليه السلام).

أبوه ريحانة المصطفى(صلى الله عليه وآله)، وسيّد شباب أهل الجنّة الحسين بن علي بن أبي طالب(عليهم السلام)، وجدّه الأكبر سيد المرسلين(صلى الله عليه وآله)، وجدّه الأصغر أمير المؤمنين(عليه السلام)، وجدّته الصدّيقة الطاهرة سيدة نساء العالمين(سلام الله عليها).

وأمّا أمّه فقد اختلفت النصوص في اسمها ونسبها اختلافاً كبيراً فقالوا: هي شهربانو بنت يزدجرد، وهي التي سمّاها أمير المؤمنين(عليه السلام) شاه زنان [1]

وقالوا: اسمها خولة بنت يزدجرد ملك الفرس.

وقالوا : هي برّة بنت النوشجان .

وقد حَمل هذا الاختلاف ـ بعض الكتّاب المعاصرين ـ على التشكيك بصحة ذلك من الأصل[2]

وقال الشيخ المفيد في الإرشاد : "وأمّه شاه زنان بنت يزدجرد بن شهريار بن كسرى، ويقال: إن اسمها (شهربانو)، وكان أمير المؤمنين(عليه السلام) ولّى حريث بن جابر الحنفي جانباً من المشرق، فبعث إليه بنتي يزدجرد بن شهريار بن كسرى، فنحل ابنه الحسين(عليه السلام) شاه زنان منهما، فأولدها زين العابدين(عليه السلام)، ونحل الأخرى محمد بن أبي بكر فولدت له القاسم بن محمد بن أبي بكر، فهما ابنا خالة"[3].

وروى البعض أن الصحابة لما جاؤوا بسبي فارس إلى عمر بن الخطاب أيام خلافته بالمدينة كان فيهم ثلاث بنات ليزجرد، فباعوا السبي وأمر عمر ببيعهن، فقال له أمير المؤمنين(عليه السلام): "وإنّ بنات الملوك لا يعاملن معاملة غيرهن".

فقال: كيف الطريق الى العمل معهن؟

قال(عليه السلام): "يقوّمن ومهما بلغ ثمنهن قام به من يختارهنّ".

فقوّمن فأخذهن علي بن أبي طالب(عليه السلام)، فدفع واحدة لعبد الله بن عمر، وأخرى لولده الحسين(عليه السلام)، وأخرى لمحمد بن أبي بكر فأولد عبد الله أمته ولداً سالماً، وأولد الحسين(عليه السلام) زين العابدين(عليه السلام)، وأولد محمد ولده القاسم، فهولاء الثلاثة بنو خالة، وأمهاتهم بنات يزدجرد[4].

وقد ناقش العلاّمة المجلسي في هذه الرواية ـ على شهرتها ـ بل رفضها، وذلك، لأن أسر أولاد يزدجرد إنّما كان بعد قتله واستئصاله، وكان ذلك في زمن عثمان لإستعباد تأخّر ولادة الإمام السجاد(عليه السلام) بأكثر من عشرين سنة بعد زواج أبيه(عليه السلام) من أمّه[5].

فالأرجح ـ على هذا ـ إذاَ ما رواه الشيخ المفيد في الإرشاد كما مر .

 

2 ـ تاريخ ولادته المباركة

وأمّا تاريخ ولادته المباركة فقد كان في يوم الخميس، الخامس عشر من شهر جمادى الآخرة، أو لأيام خلون من شعبان ، سنة ثمان وثلاثين من الهجرة الشريفة، وقبل استشهاد أمير المؤمنين(عليه السلام) بسنتين .

وقد أقام مع جدّه سيد الأوصياء(عليه السلام) سنتين، ومع أبيه سيد الشهداء(عليه السلام) عشر سنين، ومع عمّه الإمام الحسن المجتبى(عليه السلام) عشر سنين، وكان عمره الشريف سبعاً وخمسين سنة[6].

وفي رواية اخرى انه(عليه السلام) ولد سنة سبع وثلاثين، وقبض وهو ابن سبع وخمسين سنة، في سنة أربع وتسعين، وكان بقاؤه بعد أبي عبد الله(عليه السلام) ثلاثاً وثلاثين سنة، ويقال: إنّ وفاته(عليه السلام) في سنة خمس وتسعين[7] .

3 ـ إمامته(عليه السلام)

كانت مدّة امامته(عليه السلام) أربعاً وثلاثين سنة، ومما يستدلّ به على امامته اُمور:

منها:

1 ـ سلامة الحواس من السمع والبصر واللسان .

2 ـ سلامة الاعضاء من نقص يمنع من استيفاء الحركة .

3 ـ الرأي المغضي الى سياسة الرعية وتذكير المصالح .

4 ـ الشجاعة والنجدة

5 ـ النسب وقد انعقد الإجماع وورد النص عليه(عليه السلام) بأنه من قريش .

6 ـ كونه افضل الخلق بعد ابيه الحسين(عليه السلام) في العلم، والعمل، ولأن الإمامة عقلاً للأفضل دون المفضول عليه .

7 ـ النص عليه من قبل جدّه رسول الله(صلى الله عليه وآله)، كما جاء في حديث اللوح المروي عن جابر، عن النبي(صلى الله عليه وآله) وقد رواه الإمام الباقر عن أبيه، عن جدّه، عن جدّته الصديقة فاطمة الزهراء(صلوات الله عليهم اجمعين) ونصّه[8] :

 

بسم الله الرحمن الرحيم

هذا كتاب من الله العزيز الحكيم لمحمد نبيّه ونوره وسفيره وحجابه ودليله، نزل به الروح الأمين، من عند رب العالمين:

عظّم يا محمد أسمائي، واشكر نعمائي، ولا تجحد آلائي، إنّي أنا الله لا إله إلاّ أنا قاصم الجبّارين، ومديل المظلومين، وديّان الدين، إنّي أنا الله لا إله إلاّ أنا، فمن رجا غير فضلي، أو خاف غير عدلي، عذّبته عذاباً لا اُعذبه احداً من العالمين، فأيّاي فاعبد، وعلي فتوكّل، إنّي  لم أبعث نبياً فأكملت أيامه وانقضت مدّته الا جعلت له وصيّاَ وإنّي فضلتك على الأنبياء، وفضلت وصيّك على الأوصياء ، وأكرمتك بشبليك، وسبطيك، حسن وحسين، فجعلتُ حسناً معدن علمي بعد انقضاء مدّة أبيه، وجعلت حسيناً خازن وحيي، وأكرمتهُ بالشهادة، وختمتُ له بالسعادة، فهو أفضل من استشهد، وأرفع الشهداء درجة، جعلتُ كلمتي التامّة معه، وحجّتي البالغة عنده، بعترته أثيب وأعاقب:

أوّلهم علي سيّد العابدين وزين أوليائي الماضين، وابنه شبه جدّه المحمود محمد، الباقر علمي، والمعدن لحكمتي، سيهلك المرتابون في جعفر، الراد عليه كالراد عليّ، حقّ القول منّي لأكرمن مثوى جعفر، ولأسرّنّه في أشياعه، وأنصاره وأوليائه، اتيحت بعد موسى فتنة عمياء حندس، لأنّ خيط فرضي لاينقطع، وحجّتي لاتخفى ، وأن أوليائي يُسقَونَ بالكأس الأوفى، من جحد واحداً منهم فقد جحد نعمتي، ومن غيّر آية من كتابي فقد افترى عليّ، ويل للمفترين الجاحدين عند انقضاء مدّة موسى عبدي وحبيبي وخيري في عليّ وليي وناصري، ومن أضع عليه أعباء النبوة وامتحنه بالاضطلاع بها، يقتله عفريت مستكبر، يُدفن في المدينة التي بناها العبدُ الصالح[9] الى جنب شر خلقي ، حقّ القول منّي لأسّرَنّه بمحمد ابنه وخليفته من بعده، ووارث علمه، فهو معدن علمي وموضع سرّي، وحجّتي على خلقي، لا يؤمن عبد به الاّ جعلتُ الجنة مثواه ، وشفعتُهُ في سبعين من أهل بيته كلهم قد استوجبوا النار، وأختم بالسعادة لابنه علي وليي وناصري والشاهد في خلقي وأميني على وصيي، أخرج منه الداعي الى سبيلي والخازن لعلمي الحسن.

وأكمل ذلك بابنه "م ح م د" رحمة للعالمين، عليه كمال موسى، وبهاء عيسى، وصبر أيوب، فينزل أوليائي في زمانه، وتتهاوى رؤوسهم كما تتهاوى رؤوس الترك والديلم، فيقتلون ويُحرقون، ويكونون خائفين، مرعوبين وجلين، تُصبغ الأرض بدمائهم، ويفشوا الويل والرنة في نسائهم، اولئك اوليائي حقاً ، بهم ادفع كل فتنة عمياء حنىس، وبهم أكشف الزلازل، وأدفع الآصار والأغلال (اولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة واولئك هم المهتدون)[10].

 

4 ـ في فضائل الإمام السجاد(عليه السلام)

قاسم الله ماله مرتين، وكان كثير الصدقة في السرّ، وكان ناس من أهل المدينة يعيشون لا يدرون من أين كان معاشهم، فلما مات علي بن الحسين فقدوا ما كانوا يؤتون به من الليل، وكان(عليه السلام) يحمل جراب الخبز على ظهره بالليل فيتصدّق به، وهو الذي روى عن آبائه الأطهار: "الصدقة في السرّ تطفيء غضب الرب عزوجل"[11].

 

5 ـ الحكومات الجائرة التي عاصرها الإمام السجاد(عليه السلام)

1 ـ يزيد بن معاوية، قال الذهبي: وكان ناصبياً فظّاً غليظاً، جلفاً، يتناول المسكر، ويفعل المنكر، افتتح دولته بمقتل الشهيد، الحسين واختتمها بواقعة الحرّة فمقته الناس، ولم يبارك في عمره[12].

ملك اربع سنوات تقريباً وساد ظلمه وجوره الملا، حتى أن سعيد بن المسيّب كان يسمّى سنّي يزيد بن معاوية (بالشؤم)، ففي السنة الأولى من حكمه تلطّخت يداه بدم سيّد الشهداء وأكرمهم أبي عبد الله الحسين(عليه السلام)، واستباح حرمة أهل بيت الرسالة بالسبّي وقتل الأفاضل من أهل الأرض، وفي السنة الثانية انتهك حرمة المدينة المشرّفة وأباحها ثلاثة أيام وكتب الى أهلها:

أمّا بعد، فقد أنظرتكم حتى لا نظرة، ورفقتُ بكم حتى عجزتُ عندكم، وأيمّ الله لئن وضعتكم تحت قدميّ لاطأنّكم وطأة أجعلكم بها أحاديث تؤثر مع احاديث عاد وثمود[13] .

ولم يراع حرمة قبر النبي(صلى الله عليه وآله)، ولا أهل المدينة الذين قال فيهم النبي(صلى الله عليه وآله): "من أخاف اهل المدينة اخافه الله وعليه لعنة الله"[14] .

وقال لقائد جيشه (مسرف بن عقبة)[15] وهو يودّعه : ادع القوم ثلاثاً فإن أجابوك وإلاّ فقاتلهم فإذا أظهرت عليهم فأبحها، فما فيها من مالٍ أو رقّة او سلاحٍ ، او طعام فهو للجند .

فأباح مسلم المدينة ثلاثاً : يقتلون الناس، ويأخذون المتاع والأموال فأفزع من بها من الصحابة فخرج ابو سعيد الخدري حتى دخل في كهف الجبل، فتبعه رجل من أهل الشام، فاقتحم عليه الغار.

ودعا مسلم الناس الى البيعة ليزيد على أنّهم خوّل له يحكم في دمائهم، وأموالهم وأهليهم من شاء، فمن امتنع من ذلك قتله[16]!!

وروى ابن كثير: أنّه حبلت ألف أمرأة من تلك الأيّام من غير زوج[17]، وقال الذهبي افتضّ بها ألف عذراء[18]!!

وبلغ عدد القتلى يومئذ من قريش والمهاجرين والأنصار ووجوه الناس ألفاً وسبعمائة، وسائرهم من الناس عشرة آلاف سوى النساء والصبيان[19].

وفي السنة الثالثة انتهك حرمة البيت الحرام الذي كان مقدساً حتى عند الجاهلية، وحرق الكعبة وسفك الدماء، وكان يقول: والذي يحلف به أبو سفيان ما من جنّة ولا نار .

وكان يزيد أول من سنّ الملاهي ، وأظهر الفتك، وكان ينادم خادمه سرجون النصراني وجعله مستشاراً له في أموره السياسية .

وقال ابن الجوزي في رسالة (جواز لعن يزيد)"لع": انه ذهب وفد من الشام الى المدينة فلما رجعوا اخذوا يشتمون يزيد وقالوا: قدمنا من عند رجل ليس له دين يشرب الخمر، ويعزف بالطنابير، ويلعب بالكلاب .

وقال عبد الله بن حنظلة غسيل الملائكة: إنّ رجلاً ينكح الأمهات والبنات والأخوات، ويشرب الخمر، ويدع الصلاة: (والله لولم يكن معي أحدٌ من الناس لأبليت لله فيه بلاءً حسناً).

وكان يتمثل يقول ابن الزبعرى:

لعبت هاشم بالملك فلا                        خبر جاء ولا وحي نزل

لست من خندق إن لم أنتقم                   من بني أحمد ما كان فَعَل

وقال ابن حجر: وصحّ أيضاً أنّه(صلى الله عليه وآله) رأى ثلاثين منهم ينزون على منبره نزو القردة فغاظه ذلك، وما ضحك بعده الى أن توفاه الله سبحانه وتعالى، ولعله هؤلاء ويزيد بن معاوية فإنه من أقبحهم وأخسّهم، بل قال جماعة من الأئمة بكفرهم[20].

2ـ معاوية بن يزيد الذي ولي بعد أبيه وبعد أسابيع من سلطته ارتقى المنبر وخطب في الناس قائلاً: أيّها الناس، إنّا بلينا بكم وبليتم بنا، فما نجهل كراهتكم لنا وطعنكم علينا، ألا وأنّ جدي معاوية بن ابي سفيان نازع الأمر من كان أولى به منه، فركب منكم ما تعلمون، وركبتم منه مالا تنكرون، حتى أتته منيّته وصار رهناً بعمله، ثم قُلّد أبي وكان غير خليق للخير، فركب هواه واستحسن خطأه، وعظم رجاؤه فأخلفه الأمل وقصر عنه الأجل، فقلّت منعته، وانقطعت مدته، وصار في حفرته رهناً بذنبه واسيراً بجرمه .

ثم بكى وقال: إن أعظم الأمور علينا علمنا بسوء مصرعه وقبح منقلبه، وقد قتل عترة الرسول(صلى الله عليه وآله) وأباح الحرمة وحرّق الكعبة، وما أنا المتقلد اموركم، ولا المتحمّل بتبعاتكم، فشأنكم أمركم، فوالله لئن كانت الدنيا مغنماً لقد نلنا منها خطّاً، وان تكن شراً فحسب آل أبي سفيان ما أصابوا منها. ثم دخل منزله ولم يخرج الى الناس، وتغيّب حتى مات، فقال بعض الناس، دسّ اليه فسقي سمّاً ، وقال بعضهم طعن[21].

3ـ عبد الله بن الزبير وكان شديد العداء لبني هاشم فقال لابن عباس يوماً: إنّي لأكتم بغضكم أهل هذا البيت منذ أربعين سنة، فخرج ابن عباس من مكة خوفاً على نفسه فنزل الطائف فتوفيّ هناك .

ومن جملة اعتدائه أنّه عمد إلى من بمكّة من بني هاشم فحصرهم في الشعب او في زمزم، وجمع لهم حطباً عظيماً لو وقعت فيه شرارة من نار لم يسلم من الموت أحد، وفي القوم محمد بن الحنفية .

وخطب على أثر ذلك قائلاً (قد بايعني الناس، ولم يتخلّف إلاّ هذا الغلام محمد بن الحنفية، والموعد بيني وبينه أن تغرب الشمس ثم أضرم داره عليه ناراً)[22] .

وقد تأسّوا بفعلهم هذا بمن كان قبلهم من أعداء آل الرسول الذين جمّعوا الحطب على باب سيد الأوصياء والصديقة الزهراء(عليهما السلام) .

وفي هذا يقول عروة بن الزبير عاذراً أخاه: اذ اجرى ذكر بني هاشم والحصار لهم في الشعب وجمعه الحطب لتحريقهم: إنّما أراد بذلك إرهابهم ليدخلوا في طاعته كما اُرهب بنو هاشم وجمع لهم الحطب لإحراقهم إذا هم أبوا البيعة فيما سلف[23]!!!

4 ـ مروان بن الحكم ويكفي فيه قول النبي المصطفى(صلى الله عليه وآله): "الوزغ بن الوزغ، الملعون بن الملعون"[24].

وقوله(صلى الله عليه وآله): للحكم بن أبي العاص: "ويل لأمتي مما في صلب هذا".[25]

وما روته عائشة عن النبي(صلى الله عليه وآله): لعن الله أباك وأنت في صلبه، فأنت في فضض من لعنة الله[26] .

5 ـ عبد الملك بن مروان فقد ولي الأمر من بعد أبيه ، ولما بلغه موت أبيه اطبق المصحف الذي كان في حجره وقال: هذا آخر العهد بك[27]!!

وكان كثيراً ما يجلس الى ام الدرداء فقالت له مرّة: بلغي يا أمير المؤمنين أنك شربت الطلا بعد النسك والعبادة، قال: إي والله، والدماء قد شربتها[28].

وقال السيوطي: لولم يكن من مساوي عبد الملك الاّ الحجّاج وتوليته إيّاه على المسلمين وعلى الصحابة(رضي) يهينهم ويذلّهم قتلاً وشتماً وحبساً، وقد قتل من الصحابة وأكابر التابعين مالا يحصى فضلاً عن غيرهم، وختم في عنق أنس وغيره من الصحابة ختماً يريد بذلك ذلهم فلا رحمه الله ولا عفا عنه[29]

6 ـ الوليد بن عبد الملك وجاء عن عمر بن عبد العزيز أنّه قال ـ يوم كان الوليد خليفة بالشام ، وقرة بن شريك بمصر ـ : (امتلأت الأرض والله جوراً) .

وكان الحجّاج أبرز رجاله وأصحابه، فلما هلك الحجاج سنة 95هـ اُحصي قتلاه صبراً سوى من قتل في العساكر والحروب فكانوا مائة وعشرين ألفاً، ومات في حبسه خمسون ألف رجل وثلاثون ألف أمرأة ، منهن ستة عشر ألف مجرّدة ، وكان يحبس النساء والرجال في موضع واحد ، ولم يكن للحبس ستر عن الشمس فمن الحر، ولا من المطر والبرد في الشتاء[30].

 

6ـ غيض من فيض ما قيل في الإمام السجاد(عليه السلام)

تحلّى الإمام السجاد(عليه السلام) بصفات ربّانية تنمّ عن فضله وقدره السامي، وكان شبيهاً بجدّه امير المؤمنين(عليه السلام)، وروي عن الإمام الصادق(عليه السلام)، أنّه قال: "وما أشبهه من ولده ولا أهل بيته أحد أقرب شبهاً به في لباسه وفقهه من علي بن الحسين(عليه السلام)".

ولقد دخل أبو جعفر الإمام الباقر(عليه السلام)، عليه فإذا هو بلغ من العبادة مالم يبلغه أحد، فرآه قد اصفرّ لونه من السهر، ورمضت عيناه من البكاء، ودَبِرتْ جبهته، وانخرم أنفه من السجود، وورمت ساقاه وقدماه من القيام في الصلاة، فقال أبو جعفر(عليه السلام): "فلم أملك حين رأيته بتلك الحال البكاء، فبكيتُ رحمةً له، وإذا هو يفكّر، فالتفت اليّ بعد هنيهة من دخولي فقال: يا بني أعطني بعض تلك الصحف التي فيها عبادة علي بن أبي طالب(عليه السلام)، فأعطيته فقرأ فيها شيئاً يسيراً ثم كرها من يده تضجّراً وقال: من يقوى على عبادة علي(عليه السلام)"[31].

وقال الصحابي الجليل جابر بن عبد الله الأنصاري: ما رؤي في أولاد الأنبياء مثل علي بن الحسين(عليه السلام)[32] .

وقال سعيد بن المسيّب ـ وكان من الفقهاء المعروفين في المدينة، وعبّر عنه الرواة أنّه لم يكن في التابعين أوسع منه علماً، وقد صحب الإمام السجاد(عليه السلام)، واُبهر في ورعه ـ ما رأيت قط أفضل من علي بن الحسين(عليه السلام)، وما رأيته قطّ إلاّ مقتُ نفسي .

وقد أعترف له بالفضل حتى الأعداد والخصوم أمثال يزيد بن معاوية (لع)، لذا قال في حقّه بعد أن أجبره أهل الشام ان يخطب فيهم في مجلس يزيد ومحضره وكان يخاف من قدرته(عليه السلام) فقال: إنّه من أهل بيت زقوا العلم زقّاَ، إنّه لاينزل الاّ بفضيحتي وفضيحة آل أبي سفيان .

وقال عبد الملك بن مروان(لع) وهو أحد اعدائه، بل هو قاتله الذي لاقى الله تعالى بدمه الشريف، بعد ما رأى من أثر السجود بين عيني الإمام(عليه السلام): يا أبا محمد لقد بيّن عليك الاجتهاد، ولقد سبق لك من الله الحسنى، وأنت بضعة من رسول الله(صلى الله عليه وآله)، قريب النسب وكيد السبب، وانك لذو فضل عظيم على أهل بيتك، وذوي عصرك، من الفضل والعلم والدين والورع، مالم يؤته أحد مثلك، ولا قبلك إلاّ من مضى من سلفك، وأقبل يثني عليه ويطريه[33] .

وقال ابن تيميّة : وأمّا علي بن الحسين فمن كبار التابعين وساداتهم علماً وديناً، وله من الخشوع وصدقة السرّ وغير ذلك من الفضائل ماهو معروف[34].

وقال الشيخ المفيد في الإرشاد: وقد روى عنه فقهاء العامة من العلوم ما لا يحصى كثرة، وحفظ عنه من المواعظ والأدعية وفضائل القرآن والحلال والحرام والمغازي والأيام ماهو مشهور بين العلماء، ولو قصدنا الى شرح ذلك لطال به الخطاب وتقضّى به الزمان[35].

وقال يونس بن بكير عن ابن اسحاق قال: كان بالمدينة كذا وكذا بيت يأتيهم رزقهم وما يحتاجون اليه لايدرون من أين يأتيهم، فلما مات علي بن الحسين(عليهما السلام) فقد ذلك[36].

 

7ـ موقعه في عرصة كربلاء وما تلاها ومن احداث أليمة :

لابد أن يتوقف الباحث عن مواقف الإمام السجاد(عليه السلام) في حادثة الطفّ عند محطات ثلاث يعرف من خلالها جهاده ونضاله ضد أعداء الدين، ومن المؤسف أننا لا نجد من يتوقّف عندها جميعاً، بل اقتصر الكتّاب على ذكر حالة الإمام الصحية، وخطاباته القيّمة التي ألقاها في مجالس الطغاة في الكوفة والشام، ولم يذكر موقفه الجهادي يوم عاشوراء، وذبّه عن حرمات الرسول(صلى الله عليه وآله) ودفاعه عن أبيه وإمام عصره سيّد الشهداء(صلوات الله عليه)، مع ما كان عليه من إنهاك القوى بسبب المرض .

فلا يُترك الوقوف عند هذه المحطّة المهمّة التي سجّل فيها الإمام(عليه السلام) أروع المواقف البطولية التي تدل على نهوض الروح الجهادية فيه ضد الطغيان، وهو ما ورثه من جدّه امير المؤمنين(عليه السلام) وابيه شهيى الطف(عليه السلام).

فقد ورد في بعض المصادر المتحدثة عن الواقعة اسم (علي بن الحسين)، كما ذكر في الحديث بين سيد الشهداء(عليه السلام) وابنه علي بلا تحديد من كونه السّجاد(عليه السلام) او أخوه علي الأكبر الذي استشهد يوم عاشوراء .

وقد جاء في أقدم نصّ مأثور عن أهل البيت(عليهم السلام) في ذكر أسماء من حضر مع الحسين(عليه السلام)، إن الإمام السجاد(عليه السلام) قد قاتل في ذلك اليوم وقد جرح، جاء ذلك في كتاب "تسمية من قتل مع الحسين(عليه السلام) من أهل بيته واخوته وشيعته" الذي جمعه المحدّث الزيدي الفضيل بن الزبير الأسدي الرّسان الكوفي، من أصحاب الإمامين الباقر والصادق(عليهما السلام) فقد ذكر ما نصّه :

"وكان علي بن الحسين عليلاً وارتُثّ يومئذ، وقد حضر بعض القتال، فدفع الله عنه، وأخذ مع النساء".

ومع وضوح النص في قتال الإمام السجاد(عليه السلام) في كربلاء فإن كلمة (ارتُثّ) تدل على ذلك، لأنها تقال لمن حُمل من المعركة، بعد أن قاتل، واثخن بالجراح، فأخرج من ارض القتال وبه رمق، كما صرّح به اللغويون[37].

وروى حميد بن مسلم وضمن أحداث عاشوراء قائلاً: لقد كنتُ ارى المرأة من نسائه ـ أي سيد الشهداء(عليه السلام) ـ وبناته وأهله تنازع ثوبها من ظهرها حتى تغلب عليه فيُذهب منها .

ثم انتهينا الى علي بن الحسين(عليه السلام) وهو منبسط على فراش وهو شديد المرض، ومع شمر جماعة من الرّجالة فقالوا: الا نقتل هذا العليل؟ فقلت: سبحان الله أيُقتل الصبيان؟!! إنّما هذا صبي وإنّه لما به، فلم أزل حتى رددتهم عنه .

وجاء عمر بن سعد فصاح النساء في وجهه وبكين، فقال لأصحابه: لا يدخل احد منكم بيوت هؤلاء النسوة ولا تعرّضوا لهذا الغلام، وسألته النسوة ليسترجع ما اُخذ منهن ليُسترن به فقال: من أخذ من متاعهن شيئاً فيلردّه عليهن، فوالله ما ردّ أحد منهم شيئاً، فوكّل بالفسطاط وبيوت النساء وعلي بن الحسين جماعة ممن كانوا معه وقال: احفظوهم لئلا يخرج منهم أحد، ولا تسيئَنَّ اليهم[38].

أقول : وليت شعري كيف أحسن عمر بن سعد معهم ، والى أيّ حدّ كان صادقاً في قوله هذا ـ على فرض صحته ـ وكيف تعامل مع هذه الأسرة المحمديّة التي انتهك حرمَهَا وقتل ساداتها، وطحن اضلاع عميدها تحت حوافر خيوله قائلاً يا خيل الله اركبي وبالجنّة أبشري!!

ثم سرّح أهل بيت الرسالة مع رؤوس الأحبة ، وتوجّه بالعقائل مع حجّة الله على الأرض الإمام السجاد(عليه السلام) أسراء حتى توجّه بهم الى الكوفة، وكان الإمام(عليه السلام) مريضاً بالذَّرَب وقد أشفى[39]، فأدخلوا على الطاغية ابن زياد وأمر باحضار الرأس الشريف لسيد الشهداء(عليه السلام) بين يديه، آخذاً قضيباً بيديه وهو يضرب ثنايا سيد شباب اهل الجنة متبسّماً شامتاً!!

وقد عُرض عليه الإمام السجاد(عليه السلام) فقال له ابن زياد من أنت؟

فقال: "انا علي بن الحسين" .

فقال: أليس قد قتل الله على بن الحسين(عليه السلام) .

فقال(عليه السلام): "قد كان لي أخ يسمّى علياً قتله الناس" .

فقال ابن زياد: بل الله قتله .

فقال الإمام(عليه السلام): "الله يتوفّى الأنفس حين موتها" .

فغضب ابن زياد وقال: وبك جرأة لجوابي وفيك بقيّة للرّد عليّ؟! اذهبوا به فاضربوا عنقه، فتعلقت به زينب عمّته وقالت: يا ابن زياد حسبك من دمائنا واعتنقته وقالت: والله لا أفارقه فإن قتلته فاقتلني معه، فنظر ابن زياد اليها واليه ساعة ثم قال: عجباً للرحم! والله إنّي لأظنها ودّت أنّي قتلتها معه، دعوه فإنّي أراه لما به .

وأنّي لهم الإحسان لذريّة سيد الأنبياء(صلى الله عليه وآله) وسليل سيد الأوصياء(عليه السلام) لما ساروا به مع أهل بيته ، وهم مربّطين حتى أدخلوا على طاغية زمانه يزيد بن معاوية واحضر الإمام السجاد(عليه السلام) مغلولاً بغلّ الى عنقه ولم يكلّم أحداً من القوم كلمة  حتى بلغوا باب يزيد ، فصاح مجفر بن ثعلبة قائلاً : هذا مجفر بن ثعلبة أتى أمير المؤمنين باللئام الفجرة .

فأجابه الإمام(عليه السلام): "ما ولدت ام مجفر أشرّ والأم"[40].

ولما نظر يزيد الى الإمام السجاد(عليه السلام) قال: يا ابن حسين، أبوك قطع رحمي، وجهل حقّي ، ونازعني سلطاني، فصنع الله به ما قد رأيت.

فتلى الإمام(عليه السلام) قوله تعالى: (ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم الاّ في كتاب من قبل أن نبرأها ان ذلك على الله يسير)[41] .

فقال يزيد لابنه خالد اردد عليه ، فلم يدرِ خالد ما يرد عليه .

فقال له يزيد : (ما أصابكم من مصيبة فيما كسبت ايديكم ونعفوا عن كثير)[42] !!

وقد ضرب الإمام السجاد(عليه السلام) موقفاً بطولياً آخر قهر به سلطان الجور، ودكّ به عروش الظلمة فانبرى قائلاً لخطيب من وعّاظ السلاطين أراد ان يستخفّ مشاعر الحضور حينما أوعز اليه يزيد أن يرتقي المنبر ويبالغ في ذم أهل الطهارة والقداسة الإمام الحسين(عليه السلام) وابيه فصاح به الإمام(عليه السلام): "ويلك ايّها الخاطب اشتريت مرضاة المخلوق بسخط الخالق فتبؤا مقعدك من النار".

واتّجه الإمام(عليه السلام) مع ما به من ألم وحزن متحلّياً بمنتهى الأدب، مستأذناً أن يصعد المنبر فيخطب فقال: "اتأذن لي أن أصعد هذه الأعواد فاتكلّم بكلمات فيهنّ لله رضى ولهؤلاء الجالسين اجرٌ وثواب" .

فانبهر الحضور بجوابه ، فرفض يزيد وألحّ عليه الحضور أن يسمع له، فصعد الإمام(عليه السلام) المنبر وقال: "ايها الناس اعطينا ستاً، وفضّلنا بسبع : أعطينا العلم والحلم، والسماحة ، والفصاحة ، والشجاعة ، والمحبّة في قلوب المؤمنين ، وفضّلنا بأن منا النبي المختار محمد(صلى الله عليه وآله) ومنّا الصدّيق ومنّا الطيار، ومنّا اسد الله ورسوله، ومنّا سيدة نساء العالمين فاطمة البتول ، ومنّا سبطا هذه الأمّة وسيدا شباب اهل الجنة .

فمن عرفني فقد عرفني ، ومن لم يعرفني أنبأته بحسبي ونسبي، أنا ابن مكّة ومنى ، أنا ابن زمزم والصفا ، انا ابن من حمل الزكاة بأطراف الردا ، انا ابن خير من أئتزر وارتدى، انا ابن خير من انتعل واحتفى ، انا ابن خير طاف وسعى، انا ابن خير من حجّ ولبّى ، انا ابن من حُمل على البراق في الهواء، أنا ابن من اُسري به من المسجد الحرام الى المسجد الأقصى، فسبحان من أسرى، أنا ابن من بلغ به جبرئيل الى سدرة المنتهى ، انا ابن من دنا فتدلى فكان قاب قوسين او أدنى ، أنا ابن من صلّى بملائكة السماء ، انا ابن من اوحى اليه الجليل ما أوحى ، انا ابن محمد المصطفى، انا ابن على المرتضى ، انا ابن من ضرب خراطيم الخلق حتى قالوا لا اله الاّ الله .

انا ابن من ضرب بين يدي رسول الله(صلى الله عليه وآله) بسيفين ، وطعن برمحين ، وهاجر الهجرتين ، وبايع البيعتين ، وقاتل ببدر وحنين ، ولم يكفر بالله طرفة عين .

أنا ابن المؤيّد بجرئيل ، المنصور بميكائيل ، انا ابن المحامي عن حُرَمِ المسلمين، وقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين ، والمجاهد اعداءه الناصبين ، وافخر من مشى من قريش اجمعين ، وأول من أجاب واستجاب لله من المؤمنين، وأقدم السابقين ، وخاصم المعتدين، ومبير المشركين، وسهم من مرامي الله، وبستان حكمة الله... ذاك جدّي علي بن ابي طالب(عليه السلام) .

انا ابن فاطمة الزهراء ، انا ابن سيدة النساء ، انا ابن الطّهر البتول، انا ابن بضعة الرسول ، انا ابن المرمّل بالدماء ، انا ابن ذبيح كربلاء، أنا ابن من بكى عليه الجن في الظلماء، وناحت عليه الطير في الهواء" .

وبدّد الإمام(عليه السلام) بخطابه القيّم هذا جميع أحلام السلطة الجائرة وخيّب آمال يزيد الذي استخف بقومه فأطاعوه وصوّر لهم اهل البيت الأطهار بصورة مزيّفة ، فتفجّرت العيون ، ودرّت الدموع ، وضجّ السامعون بالبكاء حتى خاف يزيد على عرشه من الانهيار فأمر المؤذن أن يؤذّن ليقطع بذلك كلام الإمام(عليه السلام) الذي أحدث انقلاباً فكرياً لدى الحضّار، فلما بلغ الشهادة الثانية قائلاً أشهد ان محمّداً رسول الله(صلى الله عليه وآله): قال الإمام(عليه السلام): "يا يزيد محمد هذا جدّي ام جدّك فإن زعمت انه جدك فقد كذبت ، وان قلت انه جدّي فلم قتلت عترته[43]" .

 

من تراث الإمام السجاد(عليه السلام)

رسالة الحقوق

وفيه عدّة محاور:

1ـ في نسبة هذه الرسالة القيّمة الى الإمام السجاد(عليه السلام)

ذكر هذه الرسالة مسندة الى الإمام علي بن الحسين السجاد(عليه السلام) كلّ من:

1 ـ الشيخ الصدوق أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي المتوفى سنة 381هـ ، ذكرها في الخصال[44] ومن لايحضره الفقيه[45] .

والشيخ الصدوق هو الذي قال فيه الرجّالي الكبير أبو العباس النجاشي: أبو جعفر نزيل الريّ، شيخنا وفقيهنا ، ووجه الطائفة بخراسان، وكان ورد بغداد ، وسمع منه شيوخ الطائفة وهو حدث السّن[46] .

وأطراه ابن ادريس في السرائر، وابن شهرآشوب في المعالم ، والمحقق الحلي في المعتبر، وابن طاووس في الإقبال وغيره، والعلامة في الخلاصة، وابن داود في رجاله، وزمرة كبيرة من رجالات العلم زيّنوا بتبجيله كتبهم[47] .

وقال الزرگلي في الأعلام :

ابن بابويه: علي بن الحسين بن موسى بن بابويه أبو الحسن القمي: شيخ الاماميّين بقم في عصره، مولده ووفاته فيها، له كتب في (التوحيد) و(الإمامة) ، والتفسير ورسالة في الشرائع ، وغير ذلك[48] .

ويكفي في فضله انه ولد كأخيه بدعاء الإمام العسكري(عليه السلام) أو دعاء الحجة(عج) بعد سؤال له بالمكاتبة او غيرها أو بدعائهما صلوات الله عليهما)[49] .

وأمّا كتابه الخصال الذي وردت فيه الرسالة القيّمة فهو كتاب مبتكر في موضوعه، فريد في بابه، حاوٍعلى محاسن الأخلاق وطرائف الحكم وفرائض الأحكام والعظات والبيّنات من صحيح الأثر مما لم يجمع مثله في كتاب[50] .

2 ـ ابن شعبة الحرّاني : أبو محمد الحسن بن علي بن الحسين ، من أعلام القرن الرابع عشر في كتابه تحف العقول[51] .

وابن شعبة(رح) من اعاظم علماء الإمامية وعباقرها ، اثنى عليه واطراه كل من ترجم له، كالشيخ ابراهيم بن سليمان القطيفي المعاصر للمحقق الكركي(رح) في كتابه المعروف: (الوافية في تعيين الفرقة الناجية) المخطوط على ما حكاه القاضي نور الله التستري في كتابه (مجالس المؤمنين)[52] .

واما كتابه تحف العقول: فهو مبسوط كثير الفوائد ، معتمد عليه عند الأصحاب، أورد فيه جملة وافية من النبويات وأخبار الأئمة(عليهم السلام) ومواعظهم الشافية على الترتيب[53] .

كما ونقل هذه الرسالة عدّة من المؤلفين في كتب الحديث والسيرة منهم :

1 ـ النجاشي في مشيخته .

2 ـ والسيد ابن طاووس في فلاح السائل .

3 ـ والعلامة المجلسي في بحار الأنوار .

وغير ذلك من المتأخرين منهم :

1 ـ الطهراني في الذريعة ج 7 ص 42 .

2 ـ السيد الخوئي في معجم رجال الحديث ج4 ص 200 .

3 ـ الشيخ محمد حسن آل ياسين في كتابه الأئمة الأثنى عشر سيرة وتاريخ، ج1 ص410

4 ـ الشيخ باقر شريف القرشي في كتابه حيات الإمام زين العابدين(عليه السلام).

5 ـ السيد المقرّم في كتابه الإمام زين العابدين(عليه السلام) .

6 ـ السيد محمد رضا الجلالي في كتابه الإمام السجاد(عليه السلام) .

ونقل الشيخ محمد حسن آل ياسين أن نصّ الرسالة بكاملها وأوردها الدكتور عبد الحليم محمود شيخ الجامع الأزهر في كتابه المعنيّ بحياة الإمام علي بن الحسين(عليه السلام) .

وقد حكى المجلسي في البحار نصين : للرسالة أحدهما في تحف العقول، والثاني في الخصال.

وقال المجلسي بعد ذكر الروايتين : (إنّما أوردناه مكرّراً للاختلاف الكثير بينهما، وقوة سند الأول وكثرة فوائد الثاني .

وقد طبعت رسالة الحقوق ببغداد 1369هـ  في 179 صفحة حقّقها عبد الهادي المختار، وفي طهران: دار التوحيد 1402هـ في 36 ص .

وذكرت في مؤلّفات الزيّدية رسالة تسمى (الرسالة الناصحة، والحقوق الواضحة) تنسب الى زيد الشهيد ابن الإمام السجاد(عليه السلام) وقد ذكر فيها الحقوق الواجبة على المؤمنين، وتشبه أن تكون مختصرة من رسالة الحقوق المروية عن الإمام علي بن الحسين(عليه السلام)، وذكرت برقم(1608)[54].

وقال الرفاعي : كتاب الحقوق للإمام زيد بن علي ت 140هـ .

ومخطوط في : الجامع الكبير في صنعاء برقم(2364) .

وذكر أيضاً أنّها ترجمت الى الفارسية تحت عنوان: (حقوق فراموش شده حضرت سجاد"عليه السلام") . للشيخ عبد الكريم الأقدمي .

وترجمت أيضاً للأردو: ترجمها ابراهيم الميانجي ، بطهران ، وترجمة أخرى بالأردو ضمن شهرية (شمس وقمر) في حيدرآباد، العدد 5 ، (ديسمبر 1990م) ص 10 ـ 14[55] .

 

2 ـ سند رسالة الحقوق الشريفة :

وردت هذه الرسالة الشريفة بنصّين: أحدهما في تحف العقول، والثاني في الخصال كما مر، وبما أنّ الاعتبار في أمثال هذه الأحاديث بالمتن لا بالسند، فنحن نسلّط الضوء على نسخة الخصال لما فيها من فوائد متنيّة كما قال المجلسي في البحار.

وقد ذكر الشيخ الصدوق في الفقيه لها سنداً آخراً عن أبي حمزة الثمالي اعتمد عليه جملة من المشايخ العظام الذين كانوا يملكون قرائن وامارات تدل على صحة صدور هذه الرسالة عن الإمام السجاد(عليه السلام) .

 

3 ـ سند الرسالة من كتاب الخصال

قال الشيخ الصدوق(ت381هـ) في الخصال[56] ، في أبواب الخمسين وما فوقه: الحقوق الخمسون التي كتب بها علي بن الحسين سيد العابدين(عليهما السلام) الى بعض اصحابه:

1 ـ حدّثنا علي بن أحمد بن موسى(رضي الله عنه) ـ وترضيه عليه لا يكن الاّ لصدقه طبعاً ـ وقال السيد الخوئي(قدس سره) في المعجم[57] في ترجمته : من مشايخ الصدوق ، ذكره في طريقه الى محمد بن سنان ، وروى عن محمد بن علي بن الحسين بن بابويه : التهذيب 6 باب زيارة الجامعة ، وسائر المشاهد المشرفة الحديث 177 .

وروى عن محمد بن جعفر الأسدي الكوفي أبي الحسين .

وقد عدّه السيد الخوئي متحداً مع علي بن أحمد الدّقاق ، وعلي بن أحمد بن محمد بن عمران .

وقال الشيخ المامقاني في تنقيح المقال[58] : علي بن أحمد بن موسى ،ويقال: الدقّاق روى الصدوق مترضيّاً عنه (كما مر) .

 

2 ـ حدثنا محمد بن أبي عبد الله الكوفي :

قال علي اكبر الغفاري في هامش كتاب الخصال[59] : الظاهر هو محمد بن جعفر بن عون الأسدي الكوفي الثقة، كما في منهج المقال ، يروي عن جعفر بن محمد بن مالك، وهو كما في الخلاصة ضعيف في الحديث .

ثم نقل عن ابن الغضائري إنه يقول: قال الشيخ الطوسي(ره): إنّ جعفر بن محمد بن مالك كوفي ثقة ويضعّفه قوم .

ثمّ علّق الغفاري على ذلك قائلاً : ثم اعلم أنّ الاعتبار في أمثال هذه الأحاديث بالمتن لا بالسند ، وقد روى المصنّف ـ رحمه الله ـ أي الشيخ الصدوق قسماً كبيراً من هذا الحديث الشريف في الفقيه بسند آخر عن أبي حمزة ، واعتمد عليه جملة من المشايخ العظام لقرائن كانت عندهم على صحة صدوره ، ورواه ابن شعبة الحرّاني في تحف العقول بنحو أبسط .

وقال في منتهى المقال[60]: محمد بن أبي عبد الله: الظاهر أنّ هذا هو ابن جعفر بن محمد بن عون الأسدي الآتي عن النجاشي فيكون ثقة .

 

3 ـ حدثنا جعفر بن محمد بن مالك الفزاري:

قال السيد الخوئي: روى عن الحسن بن علي اللؤلؤي ، وروى عنه محمد بن همام تفسيرالقمي، سورة الجاثية في تفسير قوله تعالى: (هذا كتابنا ينطق بالحق)[61] .

وقال في منتهى المقال: جعفر بن محمد بن مالك بن عيسى بن سابور، مولى أسماء بن خارجة الفزاري كوفي، ابو عبد الله، كان ضعيفاً في الحديث، وقال الشيخ: جعفر بن محمد بن مالك كوفي ثقة ويضعّفه قوم ، روى في مولد القائم(عج) أعاجيب[62] .

 

4 ـ حدثنا خيران بن داهر : قال في منتهى المقال :

خيران الخادم من أصحاب أبي الحسن الثالث(عليه السلام)، ثقة .

ونقل عن رجال الكشّي أنّه ذكر ما يدلّ على جلالته في آخره، قال(عليه السلام): "اعمل في رأيك فإن رأيك رأيي، ومن اطاعك اطاعني" .

ثم قال: خيران هذا من أصحاب الرضا والجواد والهادي(عليهم السلام)، ومن مستودع أسرارهم، وحكايته مع أحمد بن محمد بن عيسي تنبيء عن علوّ مرتبته ، ونهاية جلالته[63].

وذكر الشيخ المفيد في الإرشاد القصة في النصوص الدالة على امامة الإمام الهادي(عليه السلام) فقال: أخبرني أبو القاسم جعفر بن محمد، عن محمد بن يعقوب عن الخيراني عن أبيه أنّه قال: كنت ألزم باب أبي جعفر(عليه السلام) للخدمة التي وكلت بها وكان احمد بن محمد بن عيسى الأشعري يجيء في السحر من آخر كل ليلة يتعرّف خبر علّة أبي جعفر(عليه السلام)، وكان الرسول الذي يختلف بين أبي جعفر وبين الخيراني إذا حضر قام أحمد وخلابه.

قال الخيراني: فخرج ذات ليلة وقام أحمد بن محمد بن عيسى عن المجلسي، وخلابي الرسول، واستدار أحمد فوقف حيث يسمع الكلام، فقال الرسول: إنّ مولاك يقرأ عليك السلام، ويقول لك: "انّي ماضٍ والأمر صائر إلى إبني علي، وله عليكم بعدي ما كان لي عليكم بعد أبي" .

ثمّ مضى الرسول ورجع أحمد إلى موضعه فقال لي: ما الذي قال لك؟

قلت: خيراً .

قال: سمعتُ ما قال وأعاد عليه ما سمع فقلتُ له: قد حرّم الله عليك ما فعلت؛ لأنّ الله تعالى يقول: (ولاتجسسوا) فإذا سمعت فاحفظ الشهادة لعلنا نحتاج إليها يوماً ما، وإيّاك ان تظهرها الى وقتها .

قال: واصبحتُ وكتبت نسخة الرسالة في عشر رقاع وختمتها ودفعتها الى عشرة من وجوه أصحابنا، وقلتُ: إن حدث بي الموت قبل أن أطالبكم بها، فافتحوها واعلموا بما فيها.

فلما مضى أبو جعفر(عليه السلام) لم أخرج من منزلي حتى عرفتُ رؤساء العصابة قد اجتمعوا عند محمد بن الفرج يتفاوضون في الأمر، وكتب إليّ محمد بن الفرج يعلمني باجتماعهم عنده ويقول: لولا مخافة الشهرة لصرتُ معهم اليك، فأحبّ أن تركب إليّ فركبت وصرتُ اليه، فوجدتُ القوم مجتمعين عنده فتجارينا في الباب فوجدت أكثرهم قد شكّوا، فقلت لمن عنده الرقاع وهم حضور، أخرجوا تلك الرقاع فأخرجوها فقلت لهم: هذا ما أمرتُ به، فقال بعضهم قد كنا نحب أن يكون معك في هذا الأمر آخر ليتأكد القول فقلت لهم: قد أتاكم الله بما تحبّون هذا أبو جعفر الأشعري يشهد لي بسماع هذه الرسالة فسألوه، فسأله القوم فتوقف عن الشهادة فدعوته إلى المباهلة فخاف منها وقال: قد سمعتُ ذلك ومكرمة كنتُ أحبّ أن تكون لرجل من العرب، فأمّا مع المباهلة فلا طريق إلى كتمان الشهادة، فلم يبرح القوم حتى سلّموا لأبي الحسن(عليه السلام)[64].

وذكر المفيد حديثاً دار بين الإمام الهادي(عليه السلام) وبين خيران .

وأورد السيد الخوئي رواية خيران الخادم عن أبي عبد الله(عليه السلام) الآتيه في الكافي الجزء الثالث، كتاب الصلاة[65] في باب الرجل يصلي في الثوب وهو غير ظاهر.

ولكنه استبعد رواية خيران المعهود الذي هو من أصحاب الإمام الهادي(عليه السلام) عن الإمام الصادق جعفر بن محمد(عليه السلام) لبعد الطبقة، ولا يبعد وقوع التحريف فيه من النسّاخ، وأن قوله: قال: وسألت أبا عبد الله(عليه السلام) كان ذيل الحديث 2 ، وأن الراوي هو عبد الله بن سنان، وكتب ذيل الحديث الخامس اشتباهاً .

 

5 ـ قال: حدثني أحمد بن علي بن سليمان الجبلي عن أبيه : وأحمد هذا وأبوه لم أجد من ذكرهما في المصادر الرجاليّة التي راجعتها .

 

6 ـ قال : عن محمد بن علي :

قال السيد الخوئي(قدس سره) قال النجاشي: محمد بن علي بن إبراهيم بن محمد الهمداني: روى عن أبيه، عن جدّه ، عن الرضا(عليه السلام) ، وروى ابراهيم بن هاشم عن ابراهيم بن محمد الهمداني عن الرضا(عليه السلام)[66] .

وقال: أخبرنا أبو العباس أحمد بن علي بن نوح، قال: حدّثنا ابو القاسم جعفر بن محمد، قال: حدّثنا أبو القاسم بن محمد بن علي بن ابراهيم بن محمد، الذي تقدّم ذكره، بكل الناحية وأبوه وكيل الناحية، وجدّه وكيل الناحية، وجدّ أبيه ابراهيم بن محمد وكيل قال: وكان في وقت القاسم بهمدان معه ابو علي بسطام بن علي، والعزيز بن زهير وهو أحد بني كشمرد وثلاثتهم وكلاء في موضع واحد بهمدان، وكانوا يرجعون في هذا الى أبي محمد الحسن بن هارون بن عمران الهمداني ، وعن رأيه يصدرون ، ومن قبله عن رأي ابيه أبي عبد الله بن هارون ، وكان أبو عبد الله وابنه أبو محمد وكيلين ..

ولمحمد بن علي نوادر كبيرة ، أخبرنا محمد بن محمد بن النعمان عن جعفر بن محمد ، عن القاسم بن محمد بن علي عن أبيه .

ومحمد بن علي بن ابراهيم المذكور هو غير محمد بن علي بن ابراهيم الصيرفي (المكنّى) بأبي سمينه ، وقد روى عن ابيه علي بن إبراهيم ، ورى عنه ابنه القاسم كامل الزيارات ، الباب (39) في زيارة الملائكة الحسين بن علي(عليه السلام)[67] .

وقال الشيخ الغفاري في هامش الخصال، وأمّا محمد بن علي فهو أبو سمينة الصيرفي ظاهراً بقرينة روايته عن محمد بن فضيل، وقال النجاشي: ضعيف جداً فاسد الاعتقاد لا يعتمد على شيء[68] .

ولكن بعد مراجعة كلام السيد الخوئي يُعرف التغاير بينه وبين الصيرفي (أبي سمينة) الذي لا يعتمد على شيء من حديثه، فتأمل .

 

7 ـ قال: عن محمد بن فضيل

قال السيد الخوئي : روى عن أبي حمزة ، وروى عنه محمد بن علي تفسير القمي: سورة الأنعام في تفسير قوله تعالى : (والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات)[69].

وقال: هذا هو محمد بن الفضيل بن كثير الأزدي .

وعدّه البرقي من أصحاب أبي عبد الله الإمام الصادق(عليه السلام) ، معرّفاً إيّاه بأنّه (محمد بن الفضيل الأزدي الصيرفي ، العربي ، الكوفي) .

وقال النجاشي : محمد بن الفضيل بن كثير الصيرفي الأزدي، أبو جعفر الأزرق، روى عن أبي الحسن موسى والرضا(عليهم السلام) له كتاب ومسائل[70].

قال: عن أبي حمزة الثمالي : ثابت بن دينار، وكنّية دينار أبو صفيّة، ثقة.

وقال النجاشي: (ثابت بن أبي صفية أبو حمزة الثمالي) واسم أبي صفيّة، دينار مولى كوفي ثقة .

قتل أولاده ـ ابي حمزة ـ مع زيد الشهيد وهم : نوح ، ومنصور، وحمزة، ولقي الإمام السجاد والباقر، والصادق ، والكاظم (صلوات الله عليهم) وروى عنهم وكان من خيار أصحابنا وثقاتهم ، ومعتمديهم في الرواية، والحديث ، وروى عن أبي عبد الله(عليه السلام): أنّه قال: "ابو حمزة في زمانه مثل سلمان في زمانه" وروى عنه العامة ، ومات في سنة خمسين ومائة ، له كتاب تفسير القرآن .

وقال الصدوق في مشيخته: عند ذكر طريقه إليه: أبو حمزة ثابت بن دينار الثمالي، ودينار يكنى أبا صفية ، وهو من حيّ(طيّ) من بني ثعل، ونسب الى ثمالة، لأنّ داره فيها، وتوفي سنة(150) وهو ثقة عدل، قد لقي أربعة من الأئمة ، علي بن الحسين، ومحمد بن علي، وجعفر بن محمد، وموسى بن جعفر(عليهم صلوات الله وسلامه) .

وقال الكشيّ: حدّثنا حمدويه بن نصير قال: حدثنا أيّوب بن نوح ، عن أبن أبي عمير، عن هشام بن الحكم، عن أبي حمزة قال: كانت صبيّة لي سقطت فانكسرت يدها فأتيت بها التيمي، فأخذها فنظر الى يدها فقال: منكسرة، فدخل يخرج الجبائر ، وأنا على الباب فدخلتني رقّة على الصبيّة فبكيتُ ودعوت ، فخرج بالجبائر فتناول بيد الصبية ، فلم ير بها شيئاً، ثم نظر إلى الأخرى ، فقال: ما بها شيء قال: فذكرتُ ذلك لأبي عبد الله(عليه السلام) فقال: يا أبا حمزة وافق الدعاء الرضا فاستجيب لك في أسرع من طرفة عين .

قال: حدثني محمد بن اسماعيل قال: حدثنا الفضل عن الحسن بن محبوب، عن علي أبي حمزة عن أبي بصير قال: دخلتُ على أبي عبد الله(عليه السلام) فقال: "ما فعل أبو حمزة الثمالي" قلت: خلّفته عليلاً قال: "اذا رجعت إليه فاقرأه منّي السلام وأعلمه، أنه يموت في شهر كذا في يوم كذا".

قال أبو بصير: فقلتُ: جعلت فداك والله لقد كان لكم فيه أنس ، وكان لكم شيعة .

قال: "صدقت ، ما عندنا خير له"؛

قلت: شيعتكم معكم؟

قال: "نعم إن هو خاف الله وراقب نبيّه، وتوقّى الذنوب، فاذا هو فعل كان معنا في درجاتنا".

قال علي: فرجعنا تلك السنة فما لبث أبو حمزة الاّ يسيراً حتى توفي .

وقال: وجدت بخطّ أبي عبد الله محمد بن أحمد بن نعيم الشاذاني قال: سمعتُ الفضل بن شاذان قال : سمعتُ الثقة يقول: سمعتُ الرضا يقول: أبو حمزة في زمانه كسلمان في زمانه، وذلك أنّه خدم أربعة منّا (علي بن الحسين، و محمد بن علي ، وجعفر بن محمد ، وبرهة من عصر موسى بن جعفر(عليهم السلام) .

وقد روى أبو حمزة عن أبي جعفر(عليه السلام)، وروى عند أبان بن عثمان، تفسير سورة المائدة، في تفسير قوله تعالى: (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة)[71].

وعدّه البرقي من أصحاب الحسن والحسين والسجاد والباقر(عليهم السلام).

وعدّه ابن شهرآشوب من خواص الصادق(عليه السلام) .

وقد روى الكشّي روايتين من أبي حمزة :

الأولى : قال: حدثني محمد بن مسعود ، قال: سألت علي بن الحسن فضّال عن الحديث الذي روي عن عبد الملك بن أعين، وتسمية ابنه الضريس فقال: إنما ابو حمزة، وأصبغ بن عبد الملك خير من أبي حمزة ، وكان أبو حمزة يشرب النبيذ، ومتّهم به، إلاّ أنّه قال: ترك قبل موته ، وزعم أن أبا حمزة وزرارة ومحمد بن مسلم ماتوا في سنة واحدة بعد أبي عبد الله(عليه السلام) بسنة أو بنحو منه، وكان أبو حمزة كوفيّاً .

وقال السيد الخوئي في ردّ هذه الاتهامات: ظاهر كلام علي بن الحسن تكذيب الحديث الذي روي عن عبد الملك في تسمية ابنه ضريساً ، بأن رواية (أبو حمزة كان يشرب النبيذ ومتّهم به) مع أنّ الحديث رواه علي بن عطية قال: قال أبو عبد الله(عليه السلام) لعبد الملك بن أعين "كيف سمّيت ابنك ضريساً"؟

فقال: كيف سمّاك أبوك جعفراً؟

قال(عليه السلام): "إنّ جعفراً نهر في الجنة، وضريس اسم شيطان" . ذكره الكشي في ترجمة عبد الملك بن أعين أبي الضريس .

وكيف كان فعلي بن الحسن لم يدرك أبا حمزة ليكون إخباره عن شربه النبيذ إخباراً عن حسّ ، بل إنّما هو شيء سمعه، ولعلّه اعتمد في ذلك على أخبار من لا يوثق بخبره، أو أن أبا حمزة كان يشرب النبيذ الحلال فتخيّل علي بن الحسن انه النبيذ الحرام .

وعلى كل حال لا يسعنا تصديق علي بن الحسن بعد شهادة الصدوق بعدالته، وشهادة النجاشي بأنّه كان من خيار أصحابنا المؤيّدين بما روي أنّه كسلمان ، او كلقمان في زمانه .

الثانية : قال حدّثني علي بن محمد بن قتيبة أبو محمد ، ومحمّد بن موسى الهمداني قالا: حدّثنا محمد بن الحسين بن أبي الخطّاب قال: كنت أنا وعامر بن عبد الله بن جذاعة الأزدي، وحجر بن زائدة جلوساً على باب الفيل، إذ دخل علينا أبو حمزة ثابت بن دينار، فقال لعامر بن عبد الله: يا عامر أنت حرّشت عليّ أبا عبد الله(عليه السلام) فقلت: أبو حمزة يشرب النبيذة .

فقال: له عامر: ما حرّشت عليك أبا عبد الله(عليه السلام) ولكن سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن المسكر فقال لي : "كل مسكر حرام" فقال: لكن أبا حمزة يشرب قال: فقال أبو حمزة: استغفر الله منه الآن وأتوب اليه .

قال السيد الخوئي : هذه الرواية مرسلة ، أو موضوعة ، فإن محمّد بن الحسن بن أبي الخطّاب ، مات سنة 262هـ ، ذكره النجاشي ، وهو من أصحاب الجواد والهادي والعسكري(عليهم السلام). ذكره الشيخ في رجاله ، يروي عن محمد بن علي بن محبوب كثيراً، فكيف يمكن إدراكه زمان الصادق(عليه السلام).

وقد وقع الخلاف في إدراك أبي حمزة زمان الإمام موسى بن جعفر(عليه السلام)، وهذا ما ذكره الشيخ وأيّده السيد الخوئي، ولا يعتدّ بخلاف المخالف غير المعروف بعد شهادة الصدوق والنجاشي والشيخ نفسه ، بأنّ وفاته كانت سنة 150هـ .

وأما ما جاء عن بعض النّساخ عند ذكر الإمام السجاد(عليه السلام) من أنّ موته كان في سنة 150هـ فهو غلط جزماً، ويؤيّد ذلك بما ذكره الكشي من قول الرضا(عليه السلام) إنّه خدم موسى بن جعفر(عليه السلام) أيضاً وبما تقدّم من علي بن الحسن بن فضّال[72] .

 

8ـ كيف نستفيد من هذه الرسالة في مجال التربية والتعليم

1 ـ إنّ رسالة الحقوق مكمّلة للصحيفة السجاديّة لأنّ الأولى تنظّم العلاقة بين العبد وربّه، والثانية تنظّم العلاقة بين العبد ومثيله .

2 ـ أراد الإمام(عليه السلام) أن يعيد بهذه الرسالة إعادة بناء المجتمع المنحّل في عهد بني اُميّة من جديد، بعد أن تزلزلت أركانه ، وعصفت فيه رياح التغيير الأموي، فكان حكّام الجور آنذاك يوسمون أجساد الناس .

3 ـ الرسالة تعرّف كل فرد من أفراد المجتمع ـ سواء الحاكم أم المحكوم ـ المعلم والتلميذ ، الولي والمولى عليه ماله وما عليه من الحقوق والواجبات، فلو عرف كلّ إنسان موقعيّته ومكانته سيتصرّف بانتظام أيّاً من كان، ومهما كان مقامه من العلو والدنو ، وكيف كان موقفه خصماً او صديقاً .

4 ـ تدلّ الرسالة على اهتمام الإسلام بالتربية والتعليم بغظّ النظر عن الدين والمذهب الذي ينتمي إليه كل من الولي والتلميذ .

5 ـ لابدّ من تدريس هذه الرسالة وجعلها منهجاً تدريسيّاً يعتمد عليه في مدارسنا ولا يكتفى بأداء الغربيين والعلمانيين من دعاة الاصلاح الذين توخذ منهم المناهج وتتداول بين المدارس والجامعات وغيرها من دور التربية.

 

9ـ شرح بعض الفقرات النورانيّة من رسالة الحقوق الشريفة

لابدّ أولاً من عرض نصّ هذه الرسالة الشريفة التي ورد في كتابين: الأول في كتاب الخصال[73] ، والثاني في تحف العقول[74] ، ونحن نورد نسخة الخصال لقوّة سندها، ثم نذكر الاختلافات الواردة في نسخة تحف العقول لمتانة محتواها .

وقد قسمت هذه الرسالة الشريفة الحقوق والواجبات إلى اثني عشر قسماً :

تضمّن القسم الأول: حقّ الله تعالى .

الثاني : حق النفس والجوارح .

الثالث : حقوق الأفعال والعبادات التي يقوم بها الفرد .

الرابع: حقوق الأئمة .

الخامس: حقوق الرعيّة .

السادس : حقوق الأرحام .

السابع : حقوق الناس عموماً .

الثامن: حقوق الخصماء .

التاسع : حقوق ذوي المشورة والنصيحة .

العاشر : حقوق السنّ .

الحادي عشر : حقوق السائل والمسؤول .

الثاني عشر: حقوق أهل الملل الأخرى .

 

نص الخصال

وهذه الحقوق الخمسون يجب العمل بها ورعايتها كي يعيش المرء سعادة الدارين حيث قال فيها الإمام السجاد(عليه السلام) :

"اعلم أن لله عزوجل عليك حقوقاً محيطة بك في كلّ حركة تحرّكتها، أو سكنة سكنتها، أو حال حلتها، أو منزلة نزلتها، أو جارحة قلبتها، أو آلة تصرّفت فيها. فأكبر حقوق الله تبارك وتعالى عليك ما أوجب عليك لنفسه من حقّه الذي هو أصل الحقوق، ثم ما أوجب الله عز وجل عليك لنفسك من قرنك الى قدمك على اختلاف جوارحك، فجعل عزوجل للسانك عليك حقّاً ، ولسمعك عليك حقّاً ، ولبصرك عليك حقّاً ، وليدك عليك حقّاً، ولرجلك عليك حقّاً ، ولبطنك عليك حقّاً ، ولفرجك عليك حقّاً ، فهذه الجوارح السبع التي بها تكون الأفعال.

ثم جعل عزوجل لأفعالك عليك حقوقاً، فجعل لصلاتك عليك حقّاً، ولصومك عليك حقّاً ، ولصدقتك عليك حقّاً ، ولهديك عليك حقّاً ، ولأفعالك عليك حقوقاً .

ثمّ يخرج الحقوق منك إلى غيرك من ذوي الحقوق الواجبة عليك ، فأوجبها عليك حقوق أئمتك، ثم حقوق رعيتك ، ثم حقوق رحمك .

فهذه تشعب منها حقوق: فحقوق أئمتك ثلاثة أوجبها عليك : حقّ سأسك بالسلطان ، ثم حقّ سأسك بالعلم ، ثم حقّ سأسك بالملك ، وكل سأس إمام .

وحقوق رعيتك ثلاثة أوجبها عليك : حقّ رعتيك بالسلطان ، ثمّ حقّ رعيتك بالعلم، فإن الجاهل رعية العالم، ثم حق رعيتك بالملك من الازواج وما ملكت الإيمان.

وحقوق رعيتك كثيرة متصلة بقدر اتصال الرحم في القرابة واوجبها عليك حق اُمك ، ثم حق ابيك ، ثم حقّ ولدك ، ثم حقّ أخيك، ثم الأقرب فالأقرب والأولى فالأولى، ثم حقّ مولاك المنعم عليك، ثم حقّ مولاك الجارية نعمته عليك ثم حقّ ذوي المعروف لديك، ثم حقّ موذّنك لصلاتك ثم حقّ امامك في صلاتك، ثم حقّ جليسك، ثم حق جارك ، ثم حقّ صاحبك، ثم حقّ شريكك، ثم حقّ مالك، ثم حقّ غريمك الذي تطالبه، ثم حقّ غريمك الذي يطالبك، ثم حقّ خليطك ، ثم حقّ خصمك المدعي عليك ثم حقّ خصمك الذي تدعي عليه، ثم حقّ مستشيرك، ثم حقّ المشير عليك ، ثم حقّ مستنصحك، ثم حقّ الناصح لك ، ثم حقّ من هو أكبر منك ، ثمّ حقّ من هو أصغر منك ، ثم حقّ سائلك، ثم حقّ من سألته ، ثم حقّ من جرى لك على يديهُ مساءة بقول أو فعل، عن تعمّد منه أو غير تعمّد، ثم حقّ أهل ملتك عليك ثم حقّ أهل ذمتك . ثمّ الحقوق الجارية بقدر علل الأحوال وتصرّف الأسباب .

فطوبى لمن أعانه الله على قضاء ما أوجب عليه من حقوقه ووفّقه لذلك وسدّده .

فأمّا حقّ الله الاكبر عليك فأن تعبده لاتشرك به شيئاً، فإذا فعلت بالإخلاص جعل لك على نفسه، أن يكفيك أمر الدنيا والآخرة .

وحق نفسك عليك أن تستعملها بطاعة الله عزوجل.

وحق اللسان فاكرامه عن الخفا وتعويده الخير وترك الفضول التي لا فائدة لها ، والبر بالناس وحسن القول فيهم .

وحق السمع تنزيهه عن سماع الغيبة وسماع ما لا يحلّ سماعه .

وحقّ البصر أن تفضّه عما لا يحيل لك، وتعتبر بالنظر به.

وحق يدك أن لا تبسطها الى ما لا يحلّ لك .

وحق رجليك أن لا تمشي بهما الى ما لا يحل لك، فبهما تقف على الصراط ، فانظر الاّ تزل بك فتردى في النار .

وحق بطنك أن لاتجعله وعاءً للحرام، ولا تزيد على الشبع .

وحق فرجك أن تحصّنه عن الزنا ، وتحفظه من أن يُنظر اليه.

وحق الصلاة أن تعلم أنّها وفاده الى الله عز وجل وأنت فيها قائماً بين يدي الله عز وجل، فإذا علمت ذلك قمت مقام العبد الذليل الحقير ، الراغب الراهب ، الراجي ، الخائف ، المستكين المتضرّع ، المعظم لما كان بين يديه بالسكون والوقار، وتقبل عليها بقلبك ، وتقيمها بحدودها .

وحقّ الحج أن تعلم أنّه وفادة الى ربك ، وفرار إليه من ذنوبك وبه قبول توبتك وقضاء الفرض الذي اوجبه الله عليك .

وحق الصوم أن تعلم أنّه حجاب ضربه الله على لسانك وسمعك وبصرك وبطنك وفرجك ليسترك به من النار ، فإن تركت الصوم خرقت ستر الله عليك .

وحق الصدقة ان تعلم أنّها ذخرك عند ربك عز وجل ووديعتك التي لا تحتاج الى الاشهاد عليها، فإذا علمت ذلك كنت بما تستودعه سراً أوثق منك بما تستودعه علانية .

وتعلم أنّها تدفع البلايا والاسقام عنك في الدنيا ، وتدفع عنك النار في الآخرة .

وحق الهدي ان تريد به وجه الله عز وجل، ولا تريد به خلقه و تريد به الا التعرّض لرحمة الله ونجاة روحك يوم تلقاه .

وحق السلطان أن تعلم أنّك جعلت له فتنة، وأنّه مبتلى فيك بما جعله الله عز وجل له عليك من السلطان، وأن عليك أن لاتتعرّض لسخطه فتلقي بيدك الى التهلكة ، وتكون شريكاً له فيما يأتي اليك من سوء .

وحقّ سائسك بالعلم التعظيم له والتوقير لمجلسه وحسن الاستماع اليه ، والإقبال عليه، وأن لاترفع عليه صوتك، وان لا تجيب أحداً يسأله عن شيء حتى يكون هو الذي يجيب، ولا تحدث في مجلسه أحداً ولا تغتاب عنده أحداً، وأن تدفع عنه إذا اذكر عندك بسوء، وأن تستر عيوبه وتظهر مناقبه، ولا تجالس له عدو ، ولا تعادي له ولياً، فإذا فعلت ذلك شهد لك ملائكة الله بأنك قصدته وتعلّمت علمه لله جلّ اسمه لا للناس.

وأمّا حقّ سائسك بالملك فإن تطيعه ولا تعصيه الاّ فيما يسخط الله عز وجل، فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق .

وأمّا حقّ رعيتك بالسلطان فأن تعلم أنّهم صاروا رعيتّك لضعفهم وقوّتك، فيجب أن تعدل فيهم وتكون لهم كالوالد الرحيم ، وتغفر لهم جهلهم ولا تعاجلهم بالعقوبة ، وتشكر الله عز وجل على ما آتاك من القوّة عليهم .

وأمّا حقّ رعيتك بالعلم فأن تعلم أنّ الله عزّ وجلّ إنّما جعلك قيّماً لهم فيما آتاك من العلم وفتح لك من خزائنه، فإن أحسنت في تعليم الناس ولم تخرق بهم ، ولم تضجر عليهم زادك الله من فضلك ، وإن أنت منعت الناس علمك أو خرقت بهم عند طلبهم العلم منك كان حقاً على الله عز وجلّ أن يسلبك العلم وبهاءه ، ويُسقط من القلوب محلك .

وأمّا حقّ الزوجة فإن تعلم أنّ الله عز وجل جعلها لك سكناً وأنساً ، فتعلم أن ذلك نعمة من الله عليك، فتكرمها ، وترفق بها وإن كان حقّك عليها أوجب ، فإن لها عليك أن ترحمها لأنها أسيرك ، وتطعمها وتكسوها ، فإن جهلت عفوت عنها .

وأمّا حقّ مملوكك فأن تعلم أنّه خلق ربك وابن أبيك وأمك ولحمك ودمك ، لم تملكه لأنك ضعته دون الله ولا خلقت شيئاً من جوارحه، ولا أخرجت له رزقاً ، ولكن الله عز وجلّ، كفاك ذلك ثم سخّره لك وائتمنك عليه واستودعك ايّاه ليحفظ لك ما تأتيه من خير اليه، فأحسن اليه كما اُحسن الله اليك، وإن كرهته استبدلت به، ولم تعذّب خلق الله عز وجلّ ، ولا قوة الاّ بالله .

وحقّ اُمّك أن تعلم أنها حملتك حيث لايحتمل أحدٌ احداً، وأعطتك من ثمرة قلبها مالا يعطي أحد احداً، ووقتك بجميع جوارحها ولم تبال أن تجوع وتطعمك ، وتعطش وتسقيك ، وتعرى وتكسوك ، وتضحى وتظلّك ، وتهجر النوم لأجلك ، ووقتك الحرّ والبرد لتكون لها، فإنك لا تطيق شكرها إلاّ بعون الله تعالى وتوفيقه .

وامّا حق ابيك فأن تعلم أنّه أصلك، وأنّه لولاه لم تكن ، فمهما رأيتَ في نفسك ممّا يعجبك، فاعلم أنّ أباك اصل النعمة عليك فيه، فاحمد الله واشكره على قدر ذلك، ولا قوّة الاّ بالله .

وأمّا حقّ ولدك فأن تعلم أنّه منك ومضاف اليك ، في عاجل الدنيا بخيره وشره، وأنّك مسؤول عمّا وليّته من حسن الأدب، والدلالة على ربّه عزّ وجل، والمعونة له على طاعته، فاعمل في أمره عمل من يعلم أنّه مثاب على الاحسان اليه، معاقب على الإساءة اليه .

وأمّا حقّ أخيك فأن تعلم أنّه يدك وعزّك وقوّتك ، فلا تتخذه سلاحاً على معصية الله، ولا عدّة للظلم لخلق الله، ولا تدع نصرته على عدوه ، والنصيحة له ، فإن أطاع الله وإلاّ فليكن الله اكرم عليك منه ولا قوة الاّ بالله .

وأمّا حقّ مولاك المنعم عليك فأن تعلم أنّه أنفق فيك ماله وأخرجك من ذلّ الرقّ ووحشته الى عزّ الحريّة وأنسها، فأطلقك من أسر الملكة وفكّ عنك قيد العبودية واخرجك من السجن وملّكك نفسك ، وفرّغك لعبادة ربك ، وتعلم أنّه أولى الخلق بك في حياتك وموتك وإنّ نصرته عليك واجبة بنفسك وما احتاج إليه منك ولا قوّة الاّ بالله .

وأمّا حقّ مولاك الذي أنعمت عليه فأن تعلم أنّ الله عز وجل جعل عتقك له وسيلة اليه، وحجاباً لك من النار ، وأنّ ثوابك في العاجل ميراثه إذا لم يكن له رحم مكافأة لما أنفقك من مالك ، وفي الآجل الجنة .

وأمّا حقّ ذي المعروف عليك فأن تشكره وتذكر معروفه ، وتكسبه المقالة الحسنة ، وتخلص له الدعاء فيما بينك وبين الله عز وجلّ، فإن فعلت ذلك كنت قد شكرته سراً وعلانية، ثم إن قدرت على مكافئته يوماً كافئته .

وأمّا حقّ المؤذّن أن تعلم أنّه مذكّر لك ربك غز وجل وداعي لك إلى حظّك وعونك على قضاء فرض الله عليك، فاشكره على ذلك شكرك للمحسن اليك .

وأمّا حقّ إمامك في صلاتك فأن تعلم أنّه قد تقلّد السفارة فيما بينك وبين ربك عز وجلّ ، وتكلّم عنك ولم تتكلّم عنه ، ودعى له ولم تدع له، وكفاك هول المقام بين يدي الله عز وجلّ،  فإن كان به نقص كان به دونك ، وإن كان تماماً كنت شريكه ، ولم يكن له عليك فضل فوقى نفسك بنفسه وصلاتك بصلاته، فتشكر له على قدر ذلك .

وأمّا حقّ جليسك فأن تلين له جنابك ، وتنصفه في مجازات اللفظ ، ولا تقوم من مجلسك إلاّ بإذنه، ومن يجلس إليك يجوز له القيام عنك بغير إذنك ، وتنسى زلّته وتحفظ خيراته، ولا تسمعه الاّ خيراً .

وأمّا حق جارك فحفظه غائباً ، واكرامه شاهداً ، ونصرته إذا كان مظلوماً ، ولا تتبّع له عورة ، وإن علمتَ عليه سوءاً سترته عليه ، وإن علمتَ أنّه يقبل نصيحتك نصحته فيما بينك وبينه ولا تسلمه عند الشديدة ، وتقيل عثرته وتغفر ذنبه، وتعاشره معاشرة كريمة، ولا قوة الا بالله .

وأمّا حقّ الصاحب فأن تصحبه بالتفضل والإنصاف وتكرمه كما يكرمك، وكن عليه رحمة، ولا تكن عليه عذاباً ولا قوّة الاّ بالله .

وأمّا حقّ الشريك فإن غاب كفيته ، وإن حضر رعيته، ولا تحكم دون حكمه ولا تعمل برأيك دون مناظرته ، وتحفظ عليه ماله ولا تخونه في ما عز أو هان من أمره، فإنّ يد الله تبارك وتعالى على الشريكين مالم يتخاونان ، ولا قوة الاّ بالله .

وأمّا حق مالك فأن لا تأخذه الاّ من حلّه ، ولا تنفقه إلاّ في وجهه ، ولا تؤثر على نفسك من لا يحمدك ، فاعمل فيه بطاعة ربك، ولا تبخل به فتبوء بالحسرة والندامة مع السعة ، ولا قوّة الا بالله .

وأمّا حق غريمك الذي يطالبك فإن كنت مؤسراً أعطيته وإن كنت معسراً أرضيته بحسن القول ورددته عن نفسك ردّاً لطيفاً .

وحقّ الخليط أن لا تغرّه ولا تغشّه ولا تخدعه، وتتقِ الله تبارك وتعالى في أمره .

وحقّ الخصم المدّعي عليك ، فإن كان ما يدّعي عليك حقّاً كنت شاهده على نفسك ولم تظلمه ، وأوفيته حقّه ، وإن كان ما يّدعي باطلاً رفقت به ، ولم تأتِ في أمره غير الرفق ، ولم تسخط ربك في أمره، ولا قوة إلاّ بالله .

وحقّ خصمك الذي تدّعي عليه إن كنت محقّاً في دعوتك أجملت مقاولته ، ولم تجحد حقّه، وإن كنت مبطلاً في دعوتك اتقيت الله عز وجلّ وتبت اليه وتركت الدعوة .

وحقّ المستشير إن علمت أن له رأياً أشرت عليه، وإن لم تعلم أرشدته الى من يعلم .

وحقّ المشير عليك أن لا تتهمه فيما، لا يوافقك من رأيه ، فإن وافقك حمدت الله عز وجل .

وحقّ المستنصح أن تؤدّي إليه النصيحة ، وليكن مذهبك الرحمة له والرفق به .

وحقّ الناصح أن تلين له جناحك وتصغي إليه بسمعك ، فإن أتى الصواب، حمدّت الله عز وجلّ ، وإن لم يوافق رحمته ولم تتّهمه وعلمت أنّه أخطأ ، ولم تؤاخذه بذلك إلاّ أن يكون مستحقّاً للتهمة، فلا تعبأ بشيء من أمره على حال . ولا قوة الاّ بالله .

وحقّ الكبير توقيره لسنّة وإجلاله لتقدّمه في الاسلام قبلك، وترك مقابلته عند الخصام، ولا تسبقه الى طريق ولا تتقدّمه ولا تستجهله، وإن جهل عليك احتملته وأكرمته لحقّ الاسلام وحرمته .

وحقّ الصغير رحمته في تعليمه، والعفو عنه، والستر عليه ، والرفق به والمعونة له .

وحقّ السائل اعطاؤه على قدر حاجته .

وحق المسؤول إن اعطى فاقبل منه بالشكر والمعرفة بفضله ، وإن منع فاقبل عذره .

وحقّ من سرّك لله تعالى ذكره أن تحمد الله عز وجل أولاً، ثم تشكره .

وحقّ من أساءك أن تعفو عنه، وإن علمت أن العفو يضرّ انتصرته، قال الله تبارك وتعالى : (ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل)[75] .

وحقّ أهل ملتك إضمار السلامة والرحمة لهم، والرفق بمسيئهم، وتألّفهم واستصلاحهم وشكر محسنهم وكفّ الأذى عنهم ، وتحبّ لهم ما تحبّ لنفسك، وتكره لهم ما تكره لنفسك، وأن تكون شيوخهم بمنزلة أبيك ، وشبّانهم بمنزلة إخوانك وبحجائزهم بمنزلة أمك والصغار بمنزلة اولادك .

وحقّ الذمة أن تقبل منهم ما قبل الله عزّ وجلّ ولا تظلمهم ما وفوا لله عز وجل بعهدهم.

 

نصّ تحف العقول

اعلم رحمك الله أن لله عليك حقوقاً محيطة لك في كل حركة تحركتها، أو سكنة سكنتها، أو منزلة نزلتها، أو جارحة قلبتها، أو آلة تصرفت بها، بعضها أكبر من بعض، وأكبر حقوق الله عليك ما أوجبه لنفسك من قِرْنِكَ إلى قدمك على اختلاف جوارحك.

فجعل لبصرك عليك حقّاً ولسمعك عليك حقّاً وللسانك عليك حقّاً، وليدك عليك حقّا، ولرجلك عليك حقّاً، ولبطنك عليك حقّاً، ولفرجك عليك حقّاً، فهذه الجوارح السبع الذي بها تكون الافعال .

ثمّ جعل عز وجلّ لأفعالك عليك حقوقاً، فجعل لصلاتك عليك حقّاً ، ولصومك عليك حقّاً، ولصدقتك عليك حقّاً، ولهديك عليك حقّاً ، ولأفعالك عليك حقّاً .

ثمّ تخرج الحقوق منك إلى غيرك من ذوي الحقوق الواجبة عليك وأوجبها عليك حقّاً أئمتك ثم حقوق رعيتك، ثمّ حقوق رَحِمك، فهذه حقوق يتشعب منها حقوق.

فحقوق أئمتك ثلاثة أوجبها عليك: حقّ سائسك بالسلطان، ثم سائسك بالعلم، ثمّ حقّ سائسك بالملك وكل سائس إمام.

وحقوق رعيتك ثلاثة أوجبها عليك حقّ رعيتك بالسلطان ، ثمّ حقّ رعيتك بالعلم، فإنّ الجاهل رعية العالم ، وحقّ رعيتك بالملك من الأزواج وما ملكت من الاماء .

وحقوق رحمك كثيرة متصلة بقدر اتصال الرحم في القرابة، فأوجبها عليك حقّ اُمّك؛ ثمّ حقّ أبيك، ثمّ حقّ ولدك، ثمّ حقّ أخيك، ثمّ الأقرب فالأقرب والأول فالأول.

ثمّ حقّ مولاك المنعم عليك، ثمّ حقّ مولاك الجاري نعمته عليك، ثمّ حقّ ذي المعروف لديك، ثمّ حقّ مؤذنك بالصلاة، ثمّ حقِّ امامك في صلاتك، ثمّ حق جليسك، ثمّ حق جارك ثمّ حقّ صاحبك، ثمّ حقّ شريكك، ثمّ حقّ مالك، ثمّ حقّ غريمك الذي تطالبه ثمّ حقّ غريمك الذي يطالبك، ثمّ حق خليطك، ثمّ حقّ خصمك المدعي عليك، ثمّ حقّ خصمك الذي تدّعي عليه، ثمّ حقّ مستشيرك ، ثمّ حقّ المشير عليك، ثمّ حقّ مستنصحك، ثمّ حقّ الناصح لك، ثمّ حقّ من هو أكبر منك، ثمّ حقّ من هو أصغر منك، ثمّ حقّ سائلك، ثمّ حقّ من سألته، ثمّ حقّ من جرى لك على يديه مساءة يقول أو فعل أو مسرة بذلك بقول أو فعل عن تعمد منه أو غير تعمد منه .

ثمّ حقّ أهل ملّتك عامة ، ثمّ حقّ أهل الذمة، ثمّ الحقوق الجارية بقدر علل الأحوال وتصرف الأسباب، فطوبى لمن أعانه الله على قضاء ما أوجب عليه من حقوقه ووفقه وسدده .

فأمّا حق الله الأكبر فإنّك تعبده لا تشرك به شيئاً، فإذا فعلت ذلك باخلاص جعل لك على نفسه أن يكفيك أمر الدنيا والآخرة ويحفظ لك ما تحب منها .

وأمّأ حقّ نفسك عليك فإن تستوفيها في طاعة الله . فتؤدّي إلى لسانك حقّه، وإلى سمعك حقّه، وإلى بصرك حقّه، وإلى يدك حقها، وإلى رجلك حقّها، وإلى بطنك حقه، وإلى فرجك حقّه وتستعين بالله على ذلك .

وأمّا حقّ اللسان فإكرامه عن الخنى، وتعويده على الخير، وحمله على الأدب واجمامه الا لموضع الحاجة والمنفعة للدين والدنيا، واعفاؤه عن الفضول الشنعة القليلة الفائدة التي لا يؤمن ضررها مع قلة عائدتها وبعد شاهد العقل والدليل عليه وتزين العاقل بعقله حسن سيرته في لسانه، ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .

وأمّا حقّ السمع فتنزيهه عن أن تجعله طريقاً إلى قلبك، إلا لفوهة كريمة تحدث في قلبك خيراً أو تكسب خلقاً كريماً ، فإنّه باب الكلام إلى القلب يؤدي إليه ضروب المعاني على ما فيها من خيراً أو شر، ولا قوة إلاّ بالله .

وما حقّ بصرك فغضه عما لا يحلّ لك، وترك ابتذاله إلاّ لموضع عبرة تستقبل بها بصراً أو تستفيد بها علماً، فإن البصر باب الاعتبار .

وأمّا حقّ رجليك فأن لا تمشي بهما الى ما لا يحلّ لك، ولا تجعلهما مصيتك في الطريق المستخفة بأهلها فيها، فإنّها حاءلتك وسالكة بك مسلك الدين والسبق لك، ولا قوة إلا بالله.

وأمّا حقّ يدك فأن لا تبسطها إلى ما لا يحلّ لكّ فتنال بما تبسطها اليه من الله العقوبة في الآجل، ومن الناس بلسان اللائمة في العاجل، ولا تقبضها مما افترض الله عليها، ولكن توقرها بقبضها عن كثير مما لا يحلّ لها وتبسطها إلى كثير مما ليس عليها، فإذا هي قد عقلت وشرفت في العاجل وجب لها حسن الثواب في الآجل .

وأمّا حقّ بطنك فأن لا تجعله وعاءاً لقليل من الحرام ولا لكثير، وإن تقتصد له في الحلال ولا تخرجه من حدّ التقربة إلى حدّ التهوين وذهاب المروة وضبطه إذا هم بالجوع والظماً، فإن الشبع المنتهي بصاحبه إلى التخم مكسلة ومثبطة ومقطعة عن كلّ بر وكرم، وان الري المنتهي بصاحبه الى السكر مسخفة ومجهلة ومذهبة للمروة .

وأمّا حقّ فرجك، فحفظه ممّا لايحل لك، والاستعانة عليه بغض البصر فإنّه من أعوان الأعوان وكثرة ذكرت الموت والتهدد لنفسك بالله والتخويف لها به وبالله العصمة والتأييد، ولا حول ولا قوة إلا به .

فأمّا حقّ الصلاة فأن تعلم أنّها وفادة إلى الله وأنك قائم بها بين يدي الله فإذا علمت ذلك كنت خليقاً أن تقوم فيها مقام الذليل، الراغب، الراهب، الخائف، الراجي، المسكين، المتضرع؛ المعظم، من قام بين يديه بالسكون والاطراق وخشوع الأطراف ولين الجناح وحسن المناجاة له في نفسه والطلب اليه في فكاك رقبتك التي احاطت به خطيئتك واستهلكتها ذنوبك، ولا قوة إلا بالله .

 وأما حقّ الصوم فأن تعلم أنّه حجاب ضربه الله على لسانك وسمعك وبصرك وفرجك وبطنك ليسترك به من النار، وهكذا جاء في الحديث (الصوم جنة من النار) فإن سَكَنتْ أطرافك في حجيتها رجوت أن تكون محجوباً، وإن أنت تركتها تضطرب في حجابها وترفع جنبات الحجاب فتطلع الى ما ليس لها بالنظرة الداعية للشهوة والقوة الخارجة عن حدّ التقية لله لم تأمن أن تخرق الحجاب وتخرج منه، ولا قوة إلا بالله .

وأمّا حقّ الصدقة فأن تعلم أنّها ذخرك عند ربك، وديعتك التي لا تحتاج الى الإشهاد، فإذا علمت ذلك كنت بما استودعته سراً أوثق بما استودعته علانية، وكنت جديراً أن تكون أسررت إليه أمراً أعلنته، وكان الأمر بينك وبينه فيها سراً على كل حال، ولم تستظهر عليه فيما استودعته منها باشهاد الأسماع والأبصار عليه بهما كأنها أوثق في نفسك لا كأنك لا تثق به في تأدية وديعتك اليك.

ثمّ لم تمتن بها على أحد لأنّها لك، فإذا امتننت بها لم تأمن أن تكون بها مثل تهجين حالك منها إلى من مننت بها عليه، لأن في ذلك دليلاً على أنك لم ترد نفسك بها ولو أردت نفسك بها لم تمتن بها على أحد ، ولا قوة إلا بالله .

وأمّا حقّ الهدي فأن تخلص بها الإرادة إلى ربك والتعرّض لرحمته وقبوله ولا تريد عيون الناظرين دونه ، فإذا كنت كذلك لم تكن متكلفاً ولا متصنعاً وكنت إنّما تقصد إلى الله، واعلم أن الله يراد باليسير ولا يراد بالعسير كما أراد بخلقه التيسير ولم يرد بهم التعسير، وكذلك التذلل أولى بك من التدهقن؛ لأن الكلفة والمؤونة في المتدهقين، فأما التذلل والتمكن فلا كلفة فيهما ولا مؤونة عليهما لأنهما الخلقة وهما موجودان في الطبيعة، ولا قوة إلا بالله.

فأمّا حقّ سائسك بالسلطان فأن تعلم أنّك جعلت له فتنة، وأنّه مبتلى فيك بما جعله الله له عليك من السلطان، وأن تخلص له في النصيحة ، وأن لا تماحكه وقد بسطت يده عليك فتكون سبب هلاك نفسك وهلاكه . وتذلّل وتلطّف لاعطائه من الرضى ما يكفيه عنك ولا يضر بدينك وتستعين عليه في ذلك بالله، ولا تعازه ولا تعانده، فإنّك إن فعلت ذلك عققته وعققت نفسك فعرضتها لمكروهه وعرضته للهلكة فيك ، وكنت خليقاً أن تكون مُعيناً له على نفسك وشريكاً له فيما أتى اليك، ولا قوة إلا بالله .

وأمّا حقّ سائسك بالعلم فالتعظيم له، والتوقير لمجلسه، وحسن الإستماع اليه، والإقبال عليه، والمعونة له على نفسك فيما لا غنى بك عنه من العلم، بأن تفرغ له عقلك، وتحضره فهمك، وتذكى له قلبك، وتجلى له بصرك بترك اللذات ونقص الشهوات، وأن تعلم أنك فيما القى إليك رسوله الى من لقيك من أهل الجهل فلزمك حسن التأدية عنه اليهم، ولا تخنه في تأدية رسالته والقيام بها عنه إذا تقلدتها، ولا حول ولا قوة إلا بالله .

وأمّا حقّ سائسك بالملك فنحو من سائسك بالسلطان، إلّا أن هذا يملك ما لا يملكه ذاك، تلزمك طاعته فيما دق وجل منك إلا أن تخرجك من وجوب حقّ الله، ويحول بينك وبين حقّه وحقوق الخلق، فإذا قضيته رجعت إلى حقّه فتشاغلت به، ولا قوة إلا بالله .

 

فأمّا حقوق رعيتك بالسلطان فأن تعلم أنّك إنّما استرعيتهم بفضل قوتك عليهم، فإنّه إنّما أحلّهم محل الرعية لك ضعفهم وذلهم ، فما أولى من كفاكه ضعفه وذلّه حتى صيره لك رعية، وصيّر حكمك عليه نافذاً، لا يمتنع منك بعزّة ولا قوة، ولا يستنصر فيما تعاظمه منك إلاّ بالرحمة والحياطة والأناة، وما أولاك إذا عرفت ما أعطاك الله من فضل هذه العزة والقوة التي قهرت بها أن تكون لله شاكراً، ومن شكر الله أعطاه فيما أنعم عليه، ولا قوة إلا بالله.

وأمّا حقّ رعيتك بالعلم، فأن تعلم أن الله قد جعلك لهم فيما آتاك من العلم وولاّك من خزانة الحكمة، فإن أحسنت فيما ولّاك الله من ذلك وقمت به لهم مقام الخازن الشفيق الناصح لمولاه في عبيده، الصابر المحتسب، الذي إذا رأى ذا حاجةٍ أخرج له من الأموال التي في يديه، كنت راشداً وكنت لذلك آملا معتقداً، وإلا كنت له خائنا، ولخلقه ظالماً، ولسلبه وعزه متعرضاً .

  وأمّا حقّ رعيتك بملك النكاح، فأن تعلم أن الله جعلها سكناً ومستراحاً وانساً وواقية، وكذلك كلّ واحد منكما يجب أن يحمد الله على صاحبه ويعلم أنّ ذلك نعمة منه عليه، ووجب أن يحسن صحبة نعمة الله ويكرمها ويرفق بها وإن كان حقك عليها أغلظ وطاعتك بها الزم فيما أحببت وكرهت مالم تكن معصية، فإن لها حق الرحمة والمؤانسة وموضع السكون إليها قضاء الهذة التي لابدّ من قضائها وذلك عظيم، ولا قوة إلا بالله.

وأمّا حقّ رعيتك بملك اليمين فأن تعلم أنّه خلق ربّك لحمك ودمك وأنّك تملكه لا أنت صنعته دون الله ولا خلقت له سمعاً ولا بصراً ولا أجريت له رزقاً، ولكنّ الله كفاك ذلك بمن سخره لك وائتمنك عليه واستودعك إياه لتحفظه فيه وتسير فيه بسيرته فتطعمه ممّا تأكل، وتلبسه مما تلبس، ولا تكلّفه ما لا يطيق. فإن كرهته خرجت إلى الله منه واستبدلت به ولم تعذب خلق الله، ولا قوة إلا بالله .77

فحقّ أمك أن تعلم أنّها حملتك حيث لا يحمل أحد أحداً، وأطعمتك من ثمرة قلبها ما لا يطعم أحد أحداً، وأنّها وقتك بسمعها وبصرها ويدها ورجلها وشعرها وبشرها وجميع جوارحها مستبشرة بذلك، فرحة، موبلة، محتملة لما فيه مكروهها والمها وثقلها وغمها حتى دفعتها عنك يد القدرة، وأخرجتك إلى الأرض، فرضيت أن تشبع وتجوع هي، وتكسوك وتعرى، وترويك وتظمأ، وتظلك وتضحى، وتنعمك ببؤسها وتلذذك بالنوم بأرقها، وكان بطنها لك وعاءً ، وحجرها لك حواءً ، وثديها لك سقاءً ونفسها لك وقاءً، تباشر حرّ الدنيا وبردها لك ودونك، فتشكرها على قدر ذلك ولا تقدر عليه إلا بعون الله وتوفيقه .

وأمّا حقّ أبيك فتعلم أنّه أصلك وأنك فرعه، وأنك لولاه لم تكن، فمهما رأيت في نفسك ممّا يعجبك فاعلم أنّ أباك أصل النعمة عليك فيه وأحمد الله واُشكره على قدر ذلك، ولا قوة الا بالله.

وأمّا حقّ ولدك فتعلم أنّه منك ومضاف إليك في عاجل الدنيا بخيره وشرّه، وأنّك مسؤول عمّا وليته من حسن الأدب والدلالة على ربه والمعونة له على طاعته فيك وفي نفسه، فمثاب على ذلك ومعاقب. فاعمل في أمره عمل المتزيّن بحسن أثره عليه في عاجل الدنيا، المعذر إلى ربه فيما بينك وبينه بحسن القيام عليه والأخذ له منه، ولا قوة الا بالله.

وأمّا حقّ أخيك فتعلم أنه يدك التي تبسطها، وظهرك الذي تلتجىء اليه، وعزّك الذي تعتمد بالله. عليه، وقوتك التي تصول بها ، فلا تتخذه سلاحاً على معصية الله، ولا عدة للظلم لخلق الله، ولا تدع نصرته على نفسه ومعونته على عدوه، والحول بينه وبين شياطينه، وتأدية النصيحة إليه، والإقبال عليه في الله، فإن انقاد لربه وأحسن الإجابة له، وإلا فليكن الله آثر عندك وأكرم عليك منه .

وأمّا حقّ المنعم عليك بالولاء فأن تعلم أنّه أنفق فيك ماله وأخرجك من ذل الرق ووحشته إلى عزّ الحرية وأنسها، وأطلقك من أسر الملكة وفكّ عنك حلق العبودية، وأوجدك رائحة العز، وأخرجك من سجن القهر، ودفع عنك العسر، وبسط لك لسان الانصاف، وأباحك الدنيا كلها، فملكك نفسك وحل أسرك وفرغك لعبادة ربك، واحتمل بذلك التقصير في ماله . فتعلم أنه أولى الخلق بك بعد أولى رحمك في حياتك وموتك، وأحق الخلق بنصرك ومعونتك ومكانفتك في ذات الله، فلا تؤثر عليه نفسك ما احتاج اليك .

وأمّا حقّ مولاك الجارية عليه نعمتك فأن تعلم أن الله جعلك حامية عليه وواقية وناصراً ومعقلاً ، وجعله لك وسيلة وسبباً بينك وبينه، فبالحري أن يحجبك عن النار، فيكون في ذلك ثواب منه في الآجل، ويحكم لك بميراثه في العاجل اذا لم يكن له رحم مكافأة لما انفقته من مالك عليه وقمت به من حقّه بعد انفاق مالك، فإن لم تخفه خيف عليك أن لا يطيب لك ميراثه، ولا قوة إلا بالله .

وأمّا حقّ ذي المعروف عليك فأن تشكره وتذكر معروفه، وتنشر له المقالة الحسنة، وتخلص له الدعاء فيما بينك وبين الله سبحانه ، فإنّك إذا فعلت ذلك كنت قد شكرته سراً وعلانية، ثم إن أمكن مكافأته بالفعل كافأته، وإلا كنت مرصداً له موطناً نفسك عليها .

وأمّا حق المؤذّن فأن تعلم أنّه مذكّرك بربّك، وداعيك إلى حظك، وأفضل أعوانك على قضاء الفريضة التي افترضها الله عليك، فتشكرك على ذلك شكرك للمحسن إليك، وإن كنت في بيتك متهماً لذلك لم تكن لله في أمره متهماً، وعلمت أنّه نعمة من الله عليك لا شكّ فيها فاحسن صحبة نعمة الله بحمد الله عليها على كل حال، ولا قوة إلا بالله.

وأمّا حقّ امامك في صلاتك فأن تعلم أنّه قد تقلّد السفارة فيما بينك وبين الله، والوفادة إلى ربك، وتكلّم عنك ولم تتكلّم عنه، ودعا لك ولم تدع له، وطلب فيك ولم تطلب فيه، وكفاك هم المقام بين يدي الله والمساءلة له فيك ولم تكفه ذلك، فإن كان في شيء من ذلك تقصير كان به دونك، وإن كان آثماً لم تكن شريكه فيه، ولم يكن لك عليه فضل فوقى نفسك بنفسه، ووقى صلاتك بصلاته، فتشكر له على ذلك، ولا قوة إلا بالله .

وأمّا حقّ الجليس فأن تلين له كنفك، وتطيب له جانبك، وتنصفه في مجاراة اللفظ، ولا تغرق في نزع اللحظ إذا لحظت، وتقصد في اللفظ إلى افهامه إذا لفظت، وإن كنت الجليس إليه كنت في القيام عنه بالخيار، وإن كان الجالس إليك كأن بالخيار، ولا تقوم إلا بإذنه ولا قوة إلا بالله .

وأمّا حقّ الجار فحفظه غائباً وكرامته شاهداً ونصرته ومعونته في الحالين جميعاً لا تتبع له عورة، ولا تبحث له عن سوء لتعرفها، فإن عرفتها منه عن غير إرادة منك ولا تكلف، كنت لما علمت حصناً حصيناً وستراً ستيراً، لو بحثت الأسنة عنه ضميراً لم تتصل إليه لانطوائه عليه، لا تستمع عليه من حيث لا يعلم، لا تسلمه عند شديدة ولا تحسده عند نعمة، تقبل عثرته وتغفر زلته، ولا تدخر حلمك عنه إذا جهل عليك، ولا تخرج أن تكون سلماً له، ترد عنه لسان الشتيمة، وتبطل فيه كيد حامل النصيحة، وتعاشر معاشرة كريمة، ولا قوة الا بالله .

  وأمّا حقّ الصاحب فأن تصحبه بالفضل ما وجدت إليه سبيلاً، وإلا فلا أقلّ من الانصاف، وأن تكرمه كما يكرمك، وتحفظه كما يحفظك، ولا يسبقك فيما بينك وبينه إلى مكرمة، فإن سبقك كافاته، ولا تقصر به عما يستحق من المودة . تلزم نفسك نصيحته وحياطته ومعاضدته على طاعة ربّه ومعونته على نفسه فيما لا يهم به من معصية ربّه ، ثم تكون عليه رحمة ولا تكون عليه عذاباً ، ولا قوة الا بالله .

  وأما حقّ الشريك فإن غاب كفيته، وإن حضر ساويته، ولا تعزم على حكمك دون حكمه، ولا تعمل برأيك دون مناظرته ، وتحفظ عليه ماله، وتنفي عنه خيانته فيما عزّ أوهان، فإنه بلغنا (أن يد الله على الشريكين مالم يتخاونا)، ولا قوة الا بالله .

وأمّا حقّ المال فأن لا تأخذه إلاّ من حلّه، ولا تنفقه إلاّ في حلّه، ولا تحرفه عن مواضعه، ولا تصرفه عن حقائقه، ولا تجعله اذا كان من الله إلاّ إليه وسبباً إلى الله، ولا تؤثر به على نفسك من لعله لا يحمدك، وبالحري أن لا يحسن خلافته في تركتك، ولا يعمل فيه بطاعة ربّك، فتكون معيناً له على ذلك وبما أحدث في  مالك أحسن نظراً لنفسه فيعمل بطاعة ربه فيذهب بالغنيمة، وتبوء بالاثم والحسرة والندامة مع التبعة، ولا قوة إلاّ بالله .

وأمّا حقّ الغريم الطالب لك وإن كُنت موسراً أوفيته وكفيته وأغنيته ولم تردده وتمطله، فإنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) قال: "مطل الغنى ظلم" وإن كنت معسراً أرضيته بحسن القول وطلبت إليه طلباً جميلاً ، ورددته عن نفسك رداً لطيفاً ، ولم تجمع عليه ذهاب ماله وسوء معاملته، فإن ذلك لؤم، ولا قوة إلاّ بالله .

وأمّا حقّ الخليط فإن لا تغرّه، ولا تغشه ، ولا تكذبه ، ولا تغفله، ولا تخدعه ، ولا تعمل في انتقاضه عمل العدو الذي لا يبقى على صاحبه، وإن اطمان إليك استقصيت له على نفسك وعلمت أنّ غبن المسترسل رباً، ولا قوة إلاّ بالله .

وأمّا حقّ الخصم المدّعى عليك، فإن كان ما يدعى عليك حقّاً ، لم تنفسخ في حجته ولم تعمل في ابطال دعوته، وكنت خصم نفسك له والحاكم عليها والشاهد له بحقّه دون شهادة الشهود، فإنّ ذلك حقّ الله عليك، وإن كان ما يدّعيه باطلاً رفقت به وروعته وناشدته بدينه وكسرت حدّته عنك بذكر الله، والقيت حشو الكلام ولغطه الذي لايردّ عنك عادية عدوك، بل تبوء باثمه وبه ويشحذ عليك سيف عداوته؛ لأنّ لفظة السوء تبعث الشر، والخير مقمعة للشر، ولا قوة إلاّ بالله .

وأمّا حق الخصم المدّعى عليه، فإن كان ما تدّعيه حقّاً أجملت في مقاولته بمخرج الدعوى ، فإنّ الدعوى غلظة في سمع المدّعى عليه، وقصدت قصد حجتك بالرفق، وأمهل المهملة وأبين البيان والطف اللطف، ولم تتشاغل عن حجتك بمنازعته بالقيل والقال، فتذهب عنك حجتك، ولا يكون لك في ذلك درك، ولا قوة إلاّ بالله .

وأمّا حقّ المستشير، فإن حضرك له وجه رأي، جهدت له في النصيحة، وأشرت عليه بما تعلم أنّك لو كنت مكانه عملت به، وذلك ليكن منك في رحمة ولين، فإنّ اللين يؤنس الوحشة، وإنّ الغلظ يوحش موضع الانس، وإن لم يحضرك له رأي وعرفت له من تثق برأيه وترضى به لنفسك، دللته عليه وأرشدته إليه، فكنت لم تأله خثراً ولم تدخره نصحاً ، ولا قوة إلاّ بالله .

وأمّا حقّ المشير عليك فلا تتهمه فيما يوافقك عليه من رأيه إذا أشار عليك، فإنما هي الآراء، وتصرف الناس فيها واختلافهم. فكن عليه في رأيه بالخيار إذا اتهمت رأيه . فأما تهمته فلا تجوز لك إذا كان عندك ممن يستحقّ المشاورة، ولا تدع شكره على ما بدا لك من أشخاص رأيه وحسن وجه مشورته، فإذا وافقك حمدت الله وقبلت ذلك من أخيك بالشكر والارصاد بالمكافاة في مثلها إن فزع اليك، ولا قوة إلا بالله .

وأمّا حقّ المستنصح فإنّ حقّه أن تؤدي اليه النصيحة على الحقّ الذي ترى له أنّه يحمل، ويخرج المخرج الذي يلين على مسامعه، وتكلمه من الكلام بما يطيقه عقله، فإن لكلّ عقل طيقة من الكلام يعرفه ويجتنبه، وليكن مذهبك الرحمة، ولا قوة الاّ باله .

وأمّا حقّ الناصح فأن تلين له جناحك، ثم تشرئب له قلبلك، وتفتح له سمعك حتى تفهم عنه نصيحته، ثم تنظر فيها، فان كان وفق فيها للصواب حمدت الله على ذلك وقبلت منه وعرفت له نصيحته، وإن لم يكن وفق لها فيها رحمته ولم تتهمه وعلمت أنّه لم يألك نصحاً إلاّ أنه أخطأ، الاّ أن يكون عندك مستحقاً للتهمة فلا تعبأ بشيء من أمره على كل حال، ولا قوة إلاّ بالله .

وأمّا حقّ الكبير فإنّ حقّه توقير سنه واجلال اسلامه إذا كان من أهل الفضل في الإسلام بتقديمه فيه وترك مقابلته عند الخصام ، ولا تسبقه الى طريق، ولا تؤمه في طريق، ولا تستجهله، وإن جهل عليك تحملت وأكرمته بحقٍ اسلامه مع سنه، فإنّما حق السن بقدر الإسلام، ولا قوة إلاّ بالله .

وأمّا حقّ الصغير فرحمته وتثقيفه، وتعليمه، والعفو عنه، والستر عليه، والرفق به، والمعونة له، والستر على جرائر حداثته فإنّه سبب للتوبة، والمداراة له، وترك مماحكته فإن ذلك أدنى لرشده .

وأمّا حقّ السائل فاعطاؤه إذا تهيأت صدقة وقدرت على سدّ حاجته، والدعاء له فيما نزل به، والمعاونة له على طلبته، وإن شككت في صدقه وسبقت إليه التهمة له ولم تعزم على ذلك، لم تأمن أن يكون من كيد الشيطان أراد أن يصدك عن حظك ويحول بينك وبين التقرّب إلى ربّك وتركته بستره ورودته رداً جميلاً . وإن غلبت نفسك في أمره وأعطيته على ما عرض في نفسك منه، فإن ذلك من عزم الأمور .

وأمّا حقّ المسؤول فحقّه إن أعطى قبل منه ما أعطى بالشكر له والمعرفة لفضله، وطلب وجه العذر في منعه وأحسن به الظن . وأعلم أنّه إن منع ماله منع، وأن ليس التثريب في ماله، وإن كان ظالماً فإن الإنسان لظلّوم كفّار .

وأمّا حقّ من سرّك الله به وعلى يديه ؛ فإن كان تعمّدها لك حمدت الله أولاً ثمّ شكرته على ذلك بقدره في موضع الجزاء، وكافأته على فضل الابتداء ، وأرصدت له المكافأة ، وإن لم يكن تعمّدها حمدت الله وشكرته وعلمت أنّه منه توحدك بها، وأحببت هذا إذا كان سبباً من أسباب نعم الله عليك وترجو له بعد ذلك خيراً ، فإن أسباب النعم بركة حيث ما كانت وإن كان لم يتعمّد، ولا قوة إلاّ بالله .

وأمّا حقّ من ساءك القضاء على يديه بقول أو فعل، فإن كان تعمّدها كان العفو أولى بك لما فيه له من القمع وحسن الأدب مع كثير أمثاله من الخلق. فإن الله يقول: (ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل)[76] الى قوله : (من عزم الامور)[77].

وقال عز وجل: (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين)[78].

هذا في العمد، فإن لم يكن عمداً لم تظلمه بتعمّد الانتصار منه، فتكون قد كافأته في تعمّد على خطأ، ورفقت به ورددته بألطف ما تقدر عليه، ولا قوة الاّ بالله .

وأمّا حقّ أهل ملّتك عامة فإضمار السلامة، ونشر جناح الرحمة، والرفق بمسيئهم، وتألّفهم واستصلاحهم وشكر محسنهم الى نفسه وإليك، فإنّ احسانه إلى نفسه احسانه اليك إذا كفّ عنك أذاه ، وكفاك مؤونته، وحبس عنك نفسه، فعمّهم جميعاً بدعوتك، وانصرهم جميعاً بنصرتك، وأنزلتهم جميعاً منك منازلهم ، كبيرهم بمنزلة الوالد، وصغيرهم بمنزلة الولد، واوسطهم بمنزلة الأخ، فمن أتاك تعاهدته بلطف ورحمة، وصل أخاك بما يجب للأخ على أخيه .

 وأمّا حقّ أهل الذمّة فالحكم فيهم أن تقبل منهم ما قبل الله ، وتغي بما جعل الله لهم من ذمّته وعهده، وتكلهم إليه فيما طلبوا من أنفسهم وأجبروا عليه، ونحكم فيهم بما حكم الله به على نفسك فيما جرى بينك وبينهم من معاملة، وليكن بينك وبين ظلمهم من رعاية ذمّة الله والوفاء بعهده وعهد رسوله حائل، فإنّه بلغنا أنّه قال: "من ظلم معاهداً كنت خصمه" فاتق الله، ولا قوّة إلاّ بالله .

فهذه خمسون حقّاً محيطاً بك لا تخرج منها في حال من الأحوال، يجب عليك رعايتها، والعمل في تأديتها، والاستعانة بالله جلّ ثناؤه على ذلك، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله، والحمد لله ربّ العالمين .

 

8 ـ شرح بعض الفقرات من رسالة الحقوق القيّمة

قسّمت هذه الرسالة الحقوق والواجبات الى اثني عشر قسماً :

تضمّن القسم الأول من هذه الحقوق حقّ الله تعالى :

فقال(عليه السلام): "فأما حقّ الأكبر فأن تعبده ولا تشرك به شيئاً ، فإذا فعلت ذلك بإخلاص جعل لك على نفسه أن يكفيك أمر الدنيا والآخرة ويحفظ لك ما تحب."

يستهل الإمام(عليه السلام) رسالته الربّانية بحقّ الله تعالى، ويسميه الحقّ الأكبر ويعلّمنا الطريق الأفضل لتأدية هذا الحقّ العظيم وأنّه لايكون إلاّ بأمور.

1 ـ التوحيد في العبادة: فإنّ الإنسان يشعر بوجوب شكر المنعم، وحقّ الطاعة الذي تمثّله مولوية المولى، ولايكون الامتثال إلاّ بتوحيد العبادة، ولذا نتلو في كلّ صلاة نصلّيها ونردّد خمس مرات يوميّاً (أيّاك نعبد وإيّاك نستعين)[79].

وقد أختلف المفسرون في معنى العبادة: فقال البعض: إنّها الطاعة، ومنه قوله تعالى: (ألم أعهد اليكم يا بني آدم ان لا تعبدوا الشيطان انه لكم عدو مبين)[80] .

وقال آخر: إنّ العبادة بمعنى الخضوع والتذلّل، ومنه قوله تعالى : (فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا وقومها لنا عابدون)[81] .

وقال ثالث: إنّ العبادة يراد منها التألّه والتوحيد، ومنه قوله تعالى : (قل إنّما أمرت أن أعبدَ الله ولا أشرك به)[82].

وإلى هذا المعنى ينصرف اللفظ في العرف العام إذا اًطلق دون قرينة، والعبد ـ الإنسان ـ وإن كان حرّاً لأنه مربوب لبارئه، وخاضع له في وجوده وجميع شؤونه، وإن تمرّد عن أوامره ونواهيه، والعبد الرقيق مملوك وسلطانه بيد مالكه.

وقد يتوسّع في لفظ العبد فيطلق على من يكثر اهتمامه بشيء حتى لاينظر إلاّ اليه، ومنه قول سيّد الشهداء أبي عبد الله الحسين(عليه السلام): (الناس عبيد الدنيا ، والدين لعق على السنتهم يحبطون به ما درت معائشهم، فإذا محصّوا بالبلاء قلّ الديّانون)[83] .

وقد يُطلق العبد على المطيع الخاضع كما في قوله تعالى :

(أن عبّدت بني اسرائيل)[84] .

أي جعلتهم خاضعين لا يتجاوذون عن أمرك ونيهك .

 

تعريف العبادة عند السلفيّة

عرّف ابن تيميّة ـ شيخ السلفيّة ـ العبادة بأنّها : اسم جامع لكلّ ما يحبّه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال والأعمال الباطنية والظاهرية، كالصلاة ، والزكاة ، والصيام، والحج ، وصدق الحديث ، وأداء الأمانة، وبرّ الوالدين ، وصلة الأرحام[85].

وقد خلط ابن تيميّة بين التوصّل والتعبّد، والعبادة والتقرّب، وتصوّر أنّ كلّ ما يوجب القربى إلى الله تعالى فهو عبادة، في حين أنّ الأمر ليس كذلك، فهناك اُمور موجبة للقرب كالإحسان إلى الوالدين وبرّهما، وإعطاء الزكاة والخمس ، وبذل المعروف ، وحسن المعاشرة مع الأهل والأخوان ، فإنّها اُمور توجب القربى وإن سمّيت عبادة فهي طاعة ، لكن ليس كلّ طاعة عبادة ، وإنّما بعض العبادة طاعة ، فحينما تدعوا إلى الطعام أو تعطف على يتيم من الأنام ، فهل يقال لك: إنك عبدته؟!!

وكذا يقول تعالى : (وإذا مرضتُ فهو يشفين)[86] بينما يقول في آية اُخرى مشيراً الى العسل بقوله تعالى : (شفاء للناس) فما نسب إلى الله تعالى فهو اُمور استقلالية وعلل فاعلية، وما نسب إلى غيره فهو علل فعلية كقوله تعالى : (إيّاك نعبد وإيّاك نستعين)[87] .

 

كيف يتحقّق التوحيد في العبادة

لايتحقق التوحيى في العبادة إلاّ بأمرين :

1 ـ الإذعان نفسيّاً بوجود معبود ، وأنّه عابد له ، وأن لاشيء في الوجود سواهما .

2 ـ التوجّه إلى المعبود الأوحد وهو الله تعالى بكامل التعود وفي كل حركة وسكنة، فيخرج بذلك ما ينقاد مطيعاً بلا شعور وهدف ، كالبهائم التي جبلت على الانصياع والطاعة، ولهذا يشير قوله تعالى : (أيّاك نعبد وايّاك نستعين) [88].

وأمّا ما جاء في قوله تعالى : (وما خلقتُ الجنَ والإنس الاّ ليعبدون)[89] . فهو بمعنى الخضوع الناشيء عن عرفان الجميل .

 

مراحل العبادة

وأمّا مراحل العبادة فهي :

1 ـ المعرفة النفسيّة .

2 ـ الانفعال الحاصل لدى الوجدان .

3 ـ السلوك الظاهر على الفرد كنتيجة للمعرفة وانفعالاتها .

وهكذا عبّر أمير المؤمنين(عليه السلام) بقوله: (أوّل الدين معرفته، وكمال معرفته التصديق، وكمال التصديق به توحيده ، وكمال توحيده الإخلاص له ، وكمال الإخلاص له نفي الصفات عنه"[90] .

ثمّ دعى الإمام(عليه السلام) أن تكون العبادة باخلاص، والإخلاص من خلص الشيء (بالفتح يخلص خلوصاً وخلاصاً ، إذا كان قد نشب ثمّ نجا وسلم ، وأخلصه وخلّصه وأخلص لله دينه أمحضه ، وأخلص الشيء : اختاره .

قال ابن الأثير: سميت (اي سورة الإخلاص) بذلك لأنّها خالصة في صفة الله تعالى وتقدّس، أو لأن اللافط بها قد أخلص التوحيد لله عز وجل، وكلمة الإخلاص كلمة التوحيد[91].

وينبّه الإمام(عليه السلام) بدعوته المخلصة هذه أن تكون العبادة باخلاص في كلّ زمان وظرف، وبهذا أخرج ما كان لغير الله تعالى من العبادات التي يعتريها الرياء والعجب، ونحو ذلك مما يفُسد العمل ولا يرتّب عليه ثمرته المطلوبة .

والإخلاص حقيقة دينيّة ثابتة في جميع الشرائع التي أمضاها الله تعالى، ويقابله الشرك المبطل لكلّ عمل مهما بلغ ، وهو الذنب الذي لايغفر، قال تعالى : (إن الله لايغفر أن يشرك به ويغفرُ ما دون ذلك لمن يشاء)[92] .

وقد قُسّم الشرك إلى نوعين: الجليّ، والخفيّ أو الأصغر .

والجليّ : هو الخروج عن الدين وهو أكبر الكبائر .

والخفي : هو مرتبة الرياء التي ورد التشديد عليها وحرمتها في الروايات الشريفة، ومنه الاعتقاد باستقلالية ما دونه تعالى ناسياً فضله وإن كان ذلك لايصل إلى حدّ الاعتقاد بالألوهية والعبادة .

وقال النبيّ(صلّى الله عليه وآله): "إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله قال: هو الرياء[93].

وجاء عن الإمام الباقر(عليه السلام) في تفسير قوله تعالى : (شرك طاعة وليس شرك عبادة، والمعاصي التي يرتكبون وهي شرك طاعة اطاعوا فيها الشيطان فأشركوا بالله في الطاعة لغيره)[94]

"من اُخلص الله أربعين يوماً فجر الله ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه"[95] .

وقال أمير المؤمنين(عليه السلام): "ثلاث علامات للمرائي : ينشط إذا رأى الناس، ويكسل إذا كان وحده ، ويحبّ أن يحمد في جميع أموره" .

وقال رسول الله(صلى الله عليه وآله) : "من تزيّن للناس بما يحبّ الله، وبارز لله في السرّ بما يكره الله، لقي الله وهو عليه غضبان وله ماقت"[96] .

وعن محمد بن يعقوب قال: سألت الامام الباقر(عليه السلام) عن الرجل يعمل السيء من الخير فيراه انسان فيسّره ذلك، قال: "ثم لا بأس ما من أحدٍ إلاّ وهو يحبّ أن يظهر له في الناس الخير إذا لم يكن صنع ذلك لذلك"[97].

وقال رسول الله(صلى الله عليه وآله): "يا معاذ تدري ما حق الله على العباد؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم قال(صلى الله عليه وآله): فإنّ حق العباد أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئاً، وحقّ العباد على الله عزّ وجلّ أن لا يُعذّب من لايشرك به شيئاً"[98].

وليس معنى العبادة الاقتصار على الخضوع والتذلّل فحسب ، وإنّما يجب الشكر على نعمه تعالى، وقد عرّف العلماء الشكر بأنّه: ظهور أثر النعمة على لسان العبد اعترافاً ، وعلى قلبه شهوداً ، وعلى جوارحه طاعة .

فالشاكر يشغل لسانه بالحمد والثناء لربه تعالى ، ويعترف بأن النعمة منه ، ويكون قلبه مغموراً بمحّبة الله تعالى ، ويظهر ذلك الفضل والإحسان من عمله ، علماً بأنّ المنفعة في الشكر لا تعود على الله تعالى ، بل على الشاكر؛ لاستغنائه عزّ وجلّ عن الشكر والثناء والعبادة (ومن يشكُر فإنما يشكر لنفسه فإن الله غني حميد)[99].

وقد نبّه القرآن الكريم بأن كفران النعم أحد الأسباب لزوالها فقال تعالى :

(وضرب الله مثلاً قرية كانت آمنة مطمئنةً يأتيها رزقها رغداً من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون"[100] .

وقال تعالى في قصة قوم سبأ : "لقد كان لسبأ في مسكنهم آية جنّتان عن يمين وشمال كلو من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيّبة ورب غفور فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم، وبدّلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي اُكل خمط وأثلٍ وشيء من سدرٍ قليل، ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي الاّ الكفور)[101] .

فشكر النعم إذاً سبب في دوامها ، وكفرانها سبب لزوالها .

 

من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق

حدّثنا التاريخ عن أحد السلاطين ـ وهو سنجر السلجوقي ـ حيث مرّ يوماً في موكب سلطنته، وكان في الطريق درويشاً فقيراُ ، فسلّم على السلطان فلم يردّ جواب سلامه بل حرّك رأسه عوضاً عن الإجابة ، فقال الدرويش: ايّها الملك إن الابتداء بالتحية مستحب وجوابها واجب ، وأنا قد أدّيت المستحب فلم لا تؤدّي الواجب؟ فأمسك السلطان بعنان مركبه وأخذ يعتذر منه بأنّه كان مشغولاً بالشكر فغفل عن جواب التحيّة .

فقال الدرويش للسلطان: لمن كنت تشكر؟

فقال: لله الذي هو المنعم على الاطلاق، وما نعمة الاّ وهي منه، ولاعطاء إلاّ من قبله.

فقال الدرويش: بأيّ نوع كنت تشكره؟

فقال: بكلمة (الحمد لله رب العالمين) ، فإن فيها نشكر بسائر النعم.

فقال: الدرويش: أيّها السلطان ما أجهلك بطريق الشكر الواجب عليك، إنّ ما وجب عليك من هذا الأمر هو مقدار ما أفاض عليك المنعم وأردف عليك عطاياه الغير متناهية من أقتدار أيّامك وسعة زمانك ، فليس الواجب عليك قول الحمد لله، فإنّ الشكر من السلطان إنّما يقع موقع القبول، ويستزاد به النعمة إذا وقع منه على كلّ نعمة عنده بما يناسبها فالتمس السلطان منه أن يعلّمه ذلك .

فقال: شكر السلطان هو العدل والاحسان مع عامة العباد، وشكر سعة ملكه عدم الطمع في أملاك رعيّته ، وشكر ارتفاع عرشه ، واقباله الالتفات إلى المنخفظين في تراب الفاقة والمذلّة، وشكر نعمة التأمر أداء حق المأمورين وشكر الخزائن العامرة التصدّق على أهل الاستحقاق والإدرار عليهم بالمفرّرات ، وشكر نعمة القوّة والقدرة النظر إلى العَجَزة والضعفاء بنظر الرأفة والرحمة، وشكر نعمة الصحة شفاء المعلولين بعلّة الظلم بقانون العدالة ، وشكر نعمة كثرة الجند والعسكر منعهم عن إيذاء المسلمين والتعرّض لأمتعتهم، وشكر نعمة القصور العالية والأبنية المشيّدة منع الخدم والحشم عن النزول في منازل الرعية واعفاؤهم عن المزاحمة فيها ، وخلاصة شكر السلطان أن ينظر إلى المحقّ بعين الرضى ويقدّم راحة الرعية على راحة نفسه" وانتهى .

فيجب إذاً على كلّ معلّم ومربّي أن يسلك سلوك الشكر الحقيقي مع من يربّي ويعلّم ، وبهذا يدعوهم إلى الألتزام بالسلوك الصحيح، ويكن داعياً صامتاً الى الله ورسوله وأهل البيت(عليهم السلام) بالعمل لا بالقول فحسب، فيرى النتائج تبشّر بالنجاح .

 

10ـ اثباتات إمامة الإمام السّجاد(عليه السلام) من خلال هذه الرسالة القيّمة

لم تعدّ الأدلّة على إمامة زين العابدين الإمام علي بن الحسين السجاد(عليه السلام) قليلة، فقد جاءت النصوص المتظافرة الدالة على ذلك[102]، وإن دلّت هذه الرسالة على شيء فإنما تدلّ على ارتباط المسنّ لقوانينها بالله تعالى ارتباطاً تامّاً، يؤهّله الى ارتقاء مستوى الإمامة الذي يخصّ الله عز وجل به من يشاء (الله اعلم حيث يجعل رسالته)[103] .

وقد عالج الإمام(عليه السلام) المشاكل البشرية من اُصولها على اختلاف الشرائع ، والمذاهب والمشارب والميول والمنافع في جميع الاتجاهات والمجالات التي عاشتها الإنسانية في تاريخها المديد .

كما أنّ مضامين هذه الرسالة القيّمة والدقّة في محتوياتها ، والمتانة في عباراتها، دليلاً واضحاً على عدم صدورها إلاّ من معصوم فاق مستوى البشر في الفضل والعلم والسياسة التي يفتقدها قادة الأمم على طيلة العمر البشري .

 

11ـ حقوق الضعيفين

قال تعالى : (يا أيها الناس إنّا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله اتقاكم)[104].

وقال ايضاً : (خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالاً كثيراً ونساءً)[105].

لقد شيّد الإسلام صرحاً شاهقاً لحقوق الانسان وحفظ كرامته ، وساوى بين أفراد البشر كلّهم بلا تعصّب لعنصر أو طبقة او سلالة .

ثم كرّم بني البشر بقوله تعالى: (ولقد كرمنا بني آدم)[106].

واعتنى خاصة بالضعيفين (النساء والأطفال) وسنّ لهم قوانين خاصة، واعتبر مخالفها مستحقاً للعقوبة، وانطلاقاً من هذا المبدأ الإلهي عرض الإمام السجاد(عليه السلام) حقوقاً للرعيّة والرحم، وجعل أوّل هذه الحقوق الرحميّة حقّ الأُمّ فقال(عليه السلام) : "وأمّا حقّ اُمّك فأن تعلم أنّها حملتك حيث لا يحمل أحد احداً، واطعمتك من ثمرة قلبها مالا يطعم أحد احداً، ووقتك بسمعها وبصرها ويدها ورجلها وشعرها وبشرها وجميع جوارحها، مستبشرة فرحة محتملة لما فيه مكروهاً وألمها وثقلها وغمّها حتى دفعتها عنك يد القدرة، وأخرجتك إلى الأرض، فرَضِيت أن تشبع وتجوع هي، وتكسوك وتعرى، وترويك وتضمى، وتضلّك وتضحى، وتنعّمك ببؤسها وتلذّذك بالنوم بأرقها، وكان بطنها لك وعاء، وحجرها لك حِواء، وثديها لك سقاء، ونفسها لك وقاء، تباشر حرّ الدنيا وبردها لك ودونك، فتشكرها على قدر ذلك، ولا تقدر عليه إلاّ بعون الله وتوفيقه .

استجاش الإمام(عليه السلام) قلوب الأبناء على الاُمهات ، وبعث الجيل الجديد الذي ينظر الى الأُم كخادمة أو مربيّة نحو توقيرها ووضعها في مقامها الذي ينبغي لها ، تابعاً مسلك القرآن الكريم في ذلك الذي يدفع الأولاد نحو برّ الوالدين ويوصيهما أكثر ممّا يوصي الآباء والأمهات بالأبناء، وذلك لأنّ فطرة الوالدين تدفعهما نحو الرّقة على الأبناء ورعايتهم مما بلغوا في العصيان وعدم الامتثال، قال تعالى : (وقضى ربك أن لا تعبدوا إلاّ أيّاه وبالوالدين احساناً)[107] .

ويصوّر الإمام(عليه السلام) تضحيات الأم بأنها لايمكن أن تقدّر ويؤدّى شكرها إلاّ بتوفيق من الله تعالى وعونه، وذلك لأهمية مقام ألام وعلوّ قدرها .

وبيّن الإمام(عليه السلام) أصعب مراحل حياة الأُمّ وهي الأمومة ، التي تبدأ بالحمل، وهذا هو علم الأجنّة يصوّر لنا كيفيّة الحمل وصعوبته فيقول العلماء :

إنّ البويضة بمجرد تلقيحها بالخليّة المنويّة تسعى للالتصاق بجدار الرحم، وهي مزوّده بخاصيّة أكّالة تمزّق جدار الرحم الذي تلتصق به وتأكله، فيتوارد دم الأم الى موضعها حيث تسبح هذه البويضة دائماً في بركة من دم الأم الغني بكل ما في جسمها من خلاصات وتمتصه لتحيا وتنمو وهي دائمة الأكلان لجدار الرحم، دائمة الامتصاص لمادة الحياة.

والأم المسكينة تأكل وتشرب وتهضم وتمتصّ لتصب هذا كلّه دماً نقيّاً غنياً لهذه البويضة الشرهة النهمة الأكول .

وفي فترة تكوين عظام الجنين يشتد امتصاصه للجير من دم الأم فتفتقر الى الجير؛ لأنها تعطي محلول عظامها في الدم ليقوم به هيكل هذا الصغير، وهذا كله طبعاً قليل من كثير .

ثمّ وضع الحمل وهي عملية شاقّة مؤلمة يضرب بها المثل، ولكن آلامها تنسى بعد ذلك ، ولا تنسى الأم حلاوة ثمرتها التي جنتها، وأنها أعطت الحياة لصغيرها، بيما هي تذوى وتموت .

ثمّ مرحلة الرضاع، حيث تعطي الأم عصارة قوّتها وعظامها في اللبن، كما أنها تعطي عصارة أعصابها وقلبها في الرعاية، وهي سعيدة فرحة بذلك، فيا ترى هل تجازى وكيف؟!!

وقد يوجّه البعض سوء خلقه مع أمه بحجّة أنها سيئة الخُلق معه، وقد أجاب النبي(صلّى الله عليه وآله) رجلاً شكى اليه سوء خلق امّه قائلاً: "إنّها لم تكن سيّئة الخلق حيث حملتك تسعة أشهر، وحين أرضعتك حولين ، وحين سهرت لك ليلها، واظمأت نهارها"

فقال الرجل: إنّي جازيتها وحججتُ بها على عاتقي .

فقال النبي(صلى الله عليه وآله): "ما جازيتها ولاطلقه" .

وهكذا رعى الإسلام حقوق الطفل، وجعل الطفولة أحكاماً خاصة، يغضّ النظر عن العنصر السلالة .

فقد جاء عن النبي(صلى الله عليه وآله) لرجل سأله عن حق ابنه فقال(صلى الله عليه وآله): "من حق الولد على والده ثلاثة: "يحسن اسمه وأدبه، وضعه موضعاً حسناً"[108]

وقال الامام الصادق(عليه السلام): " من حقّ الولد على والده ثلاثة: يحسن اسمه ويعلّمه الكتابة ويزوّجه إذا بلغ"[109]

وقال سيّد الأوصياء(عليه السلام) : "لا تقسروا اولادكم على آدابكم، فإنّهم مخلقون لزمان غير زمانكم"[110] .

وهكذا يراعي الإسلام الطفل ويأمر باعداده بدنيّاً وروحياً وعقليّا، وهذه على هذا المراحل الثلاث تباعاً .

1 ـ الإعداد البدني : لايتم اعداد الطفل بديناً إلاّ بعد مراعاة عدّة اُمور :

الأول : حفظ نظافة البدن والثياب والمحل التي بها تتم سلامة الجسد والجسم السليم من العقل السليم.

الثاني : تعويد الطفل على أكل الغذاء الصالح المفيد (الطاهر) الذي رزقه الله تعالى ايّاه، وعدم تعريض بدنه للأمراض من خلال الأغذية الغير صالحة . أو الاسراف حتى في الغذاء الصالح .

الثالث : تعويد الطفل على ممارسة التمارين البدنية التي تحافظ على لياقة جسده وتقيه من الامراض .

الرابع : تمرين الطفل وتعليمه الحدود الشرعية في الطهارة واجتناب اللامبالاة فيها؛ لأن ذلك يؤدي الى انعكاسات وآثار سلبيّة على روحه وجسده .

2 ـ الاعداد العقلي : يساعد هذا الاعداد على تفهّم الطفل لمتطلّبات الوالدين التوجيهية ، وتفّهم نظر الآخرين وينبغي لذلك .

اولاً : تعليمه القراءة والكتابة، فإنّ أول ما أوحى الله تعالى به الى نبيّه(صلى الله عليه وآله): (اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الانسان من علّق، اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علّم الإنسان مالم يعلم)[111].

ثانياً : تنمية قدراه الطفل العقلية بالسفر والسياحة والاستشارة، والاعتماد عليه في بعض القضايا مع المتابعة، كالأعمال البسيطة للبنات داخل البيت، وللذكور خارجه .

3 ـ الاعداد الروحي : ويجب فيه :

أولاً : التزام الآباء والأمهات بالآداب والأخلاق مما يجعلهم قدوة حسنة لأولادهم؛ لأنّ البيت والعائلة يخلقان الكثير من المشكلات التي ينشأ معظمها عند تصادم أفراد العائلة مع بعضهم البعض نتيجة لاختلاف شخصياتهم وتفكيرهم وغاياتهم .

ثانياً : حلّ المشاكل الروحية لدى الطفل ومساعدته على التصرّف على طبيعة علاقته مع الكون والحياة وأسباب الخلق، ومَن الخالق التي من خلالها يحدّد اخلاقياته ومبادئه .

ثالثاً : إعطاء الطفل احساس الثقة بالنفس؛ لأن عدم الثقة أمر مهم يؤدي إلى الشعور بالقلق والاضطرابات الإنفعالية .

رابعاً : تقوية الشعور الديني لدى الطفل، وزرع محبة الله تعالى والرسول(صلى الله عليه وآله) وأهل البيت في منافذ نفسه، ولذا جاء في الحديث الشريف "علّموا اولادكم حبّ أهل البيت(عليهم السلام)"[112] . فإنّ الناصبي قد تعلّمها ـ أي الكراهة والرفض ـ من آبائه ومربّيه، ومن ذلك السعي في حضور الطفل في المساجد والحسينيات ومراقد المعصومين(عليهم السلام) ممّا يؤدي الى الارتباط بهم روحياً .

خامساً : تمرين الطفل على العبادات، وإشعاره بنيل الثواب على القيام بها كما هو ثابت في محلّه، وحثّه على الالتزام بالصلاة في أوقاتها، ولا يتحقق هذا إلاّ بالتزام أفراد الأسرة الذين أكبر منه بذلك خصوصاً الوالدين .

سادساً : تعويده على الصدق، وتجنّب الكذب والخيانة، واحترام الآخرين وعدم كثرة القال والقيل والتمرّد .

سابعاً : التفريق بين الذكور والإناث في المضاجع .

ثامناً : عدم اشعار الطفل بالاهتمام بغيره أو بالذكر دون الانثى ، وإظهار المحبة للبعض دون الآخر، ولذا كان الامام الصادق(عليه السلام) يلقم اولاده بيده المباركة فلما يسأل يقول: "أخاف ان يدخلهم ما دخل أبناء يعقوب النبي(عليه السلام)" فما كان يُفرّق بين أولاده مع علمه بأنّ الفضل ليس لهم جميعاً .

تاسعاً : تعويد الطفل على تحمّل مصاعب الحياة وعدم توفير كلّ  ما يرده، كي لا ينشأ مترفاً مدلّلاً ، بل متيناً يستطيع أن يقف أمام الدنيا وتقلّباتها وضبط انقعالاته، والبعد عن الحساسية وحالة الاكتئاب .

عاشراً : عدم انتهاك حقوق الطفل بغرض العمل عليه مما لم يوجبه الله ولا العرف ، والاعتماد عليه بالكسب لدى الأسرة، وهذا من المؤسف ما نلاحظه في كثير من بلداننا، فالطفل يحرم من المدرسة وينشغل بالاعمال التي لايطيقها سنّة .

 

الاعلان العالمي لحقوق الطفل

صدر الإعلان العالمي لحقوق الطفل في شهر نوفمبر عام 1959م ، وقد تضمّن مبادىء، عامة أقرّها المجتمع الدولي كقاعدة أساسية لرعاية الطفولة والاهتمام بها، ونستعرض هذه المبادىء حتى يمكن مقارنتها بالمبادىء والحقوق التي أقرّها الإمام السجاد(عليه السلام) ضمن رسالته القيّمة فيما يتعلّق بالانسان عموماً والصغير خاصة وذلك قبل اربعة عشر قرناً!! والمبادىء هي :

1 ـ يتمتع الطفل بالحقوق التي يشتمل عليها هذا الاعلان، دون أي تفرّقة أو تميز عنصري بسبب الجنس أو اللون أو اللغة أو الدين ، أو المعتقدات ، وغيرها من الأسباب الاجتماعية أو العرقية بسبب الثروة او المولد .

2 ـ أن يتمتع الطفل بحماية خاصة، كما يمنح الفرص والتسهيلات بواسطة القانون وبالوسائل الأخرى، لكي يتمكّن من النمو جسمياً وعقلياً وخلقياً وروحيّاً واجتماعياً بطريقة صحيّة وعادية وفي جوّ من الحريّة والكرامة .

3 ـ من حقّ الطفل منذ ولادته أن يكون له اسم وجنسيّة .

4 ـ للطفل الحقّ في توفير الأمن الاجتماعي ، وفي أن ينمو في صحة جيّدة ، وأن تتوفّر له ولأمه الرعاية والحماية بما في ذلك الرعاية في مرحلة ما قبل الولادة وما بعدها، كما أنّ للطفل الحق في الغذاء والسكن والترفيه والخدمات الطبيّة المناسبة.

5 ـ توفير الرعاية الضروريّة للطفل المعاق جسميّاً أو ذهنيّاً او اجتماعياً ، والعلاج والتعليم الذي تستلزمه حالته الخاصة .

6 ـ يحتاج الطفل لبناء شخصيته بطريقة متكاملة الى الحبّ والفهم ومن حقّه كلما أمكن ذلك أن ينمو في ظل رعاية أبويه وتحت مسؤوليتهما .

7 ـ إلزامية تعليم الطفل بما يحقّق صالح الطفل ومستهدفات المجتمع .

8 ـ ضرورة تمتع الطفل بالحماية في جميع أنواع الإهمال والقسوة والاستغلال .

9 ـ لايجوز تشغيل الطفل قبل بلوغه حدّاً أدنى من العمر، ويجب ألّا يسمح له أو يفرض عليه أن ينخرط في أيّ عمل أو وظيفة تضرّ بصحته أو تعليمه، أو تؤثر على نموّه الجسماني أو العقلي أو الخلقي[113].

أقول: فأين أصحاب الضمير عن أطفالنا في العالم العربي ، وبالخصوص الاسلامي، وبالأخصّ العراقي؟ وأين هي حقوق أطفالنا الذين يذبّحون في كلّ يوم لا على ذنب، ويقتلون ويشرّدون ويمنعون من أبسط حقوقهم؟

وقد أسمعت من كان حيّاً                 ولكن لا حياة لمن تنادي

 

خاتمة

في دعاء الإمام السجاد(عليه السلام) لبعض ذوي الحقوق

من دعائه(عليه السلام) لأبويه

"اللهمّ أشكر لهما تربيتي، وأثبهما على تكرمتي، واحفظ لهما ما حفظاه منّي في صغري.

اللهمّ وما مسّهما منّي من أذىً ، أو خَلَصَ اليهما عني من مكروه، أوضاع قِبَلي لهما من حقٍّ، فاجعله حطّة لذنوبهما، وعلوّاً في درجاتهما، وزيادةً في حسناتهما، يا مبدّل السيئات بأضعافها من الحسنات .

اللهمّ وما تعدّياً عليّ فيه من قولٍ أو أسرفا عليّ فيه من فعل، أو ضيّعا لي من حقّ أو قصّر أبيّ عنه من واجب، فقد وهبته وجُدتُ به عليهما، ورغبتُ اليك في وضع تبعته عنهما، فإنّي لا أتّهمهما على نفسي، ولا أستبطئهما في برّي ، ولا أكره ما تولّياه من أمري، يا ربّ فهما أوجب حقّاً عليّ، وأقدمُ إحساناً إليّ ، وأعظم منّة لديّ من أن اقاصّهما بعدل، أو أجازيهما على مثل أين إذاً يا إلهي طولُ شغلهما بتربيتي؟! وأين شدّة تعبهما في حراسي وأين إقتارهما على أنفسهما توسعة علي؟! هيهات ما يستوفيان منّي حقّهما ، ولا أدرك ما يجب عليّ لهما، ولا أنا بقاض وظيفة خدمتهما، فصلّ على محمّد وآله ، وأعنّي يا خير من استعين به، ووفّقني يا أهدى من رغب اليه ، ولا تجعلني من أهل العقوق للآباء والأمهات يوم تجزى كل نفسٍ ما كسبت وهم لايظلمون"[114].

 

من دعائه(عليه السلام) لولده

"اللهم ومنّ عليّ ببقاءُ وُلدي، وبإصلاحهم لي، وبإمتاعي بهم، إلهي اُمدد لي في أعمارهم، وزد لي في آجالهم، وربّ لي صغيرهم، وقوّ لي ضعيفهم، وأصحّ لي أبدانهم وأديانهم وأخلاقهم، وعافِهم في أنفسهم وفي جوارحهم، وفي كلّ ما عُنيت به من أمرهم، وادرر لي وعلى يديّ أرزاقهم، واجعلهم أبراراً أتقياء بُصِراء سامعين مطيعين لك ولأوليائك، محبّين مناصحين، ولجميع اعدائك معاندين ومبغضين"[115] .

اللهمّ آمين بحقّ محمد وآله الطيبين الطاهرين .

والحمد لله ربّ العالمين واكمل الصلوات وأتمّ التسليم على سيّدنا ونبينا محمد المصطفى(صلى الله عليه وآله) وعلى آل بيته الطاهرين.

واسأله تعالى أن يوفّقنا للعمل بما أوجبه علينا من حقوق أنفسنا وغيرنا بمنّه وجوده إنّه سميع عليم .

 

ام علي مشكور
27/رجب الأصبّ/1435هـ

 

 



1 ـ كشف الغمة لإربلي 2 : 105 .

[2] ـ  الأئمة الأثني عشر سيرة وتاريخ ، للشيخ محمد حسن آل ياسين ، 1 : 328 .

[3] ـ الإرشاد ، للشيخ المفيد 1 : 138 .

[4] ـ البداية والنهاية لابن كثير، 9 : 104 .

[5] ـ بحار الانوار للعلامة المجلسي : 9 في ذكر أحوال الإمام السجاد(عليه السلام) .

[6] ـ كشف الغمة للإربلي : 105 .

[7] ـ المصدر نفسه .

[8] ـ الإشارد للشيخ المفيد 2 : 138 .

[9] ـ المراد به ذوالقرنين لأنه بنى طوس .

[10] ـ اصول الکافي 1 : 527 ـ 528/ح 3 .

[11] ـ الجعفريات 56 ، مستدرك الوسائل 7: 181 ـ البحار 96: 137 .

[12] ـ سير اعلام النبلاء 4 : 37 .

[13] ـ سير اعلام النبلاء 31 : 323 .

[14] ـ انساب الأشراف 4 : 33 ، تاريخ الطبري 5 : 484 .

[15] ـ سمّي بعد وقعة الحرّة مسرفاً ، الكامل في التاريخ لابن الأثير 4 : 120 .

[16] ـ الكامل في التاريخ لابن الأثير 4 : 118 .

[17] ـ البداية والنهاية 8 : 221 .

[18] ـ سير اعلام النبلاء 3 : 219 .

[19] ـ الفتوح 5 : 295 .

[20] ـ الصواعق المحرقة ، لابن حجر العشقلاني : 223 .

[21] ـ تاريخ الطبري 5 : 531 .

[22] ـ مروج الذهب 3: 23 .

[23] ـ مروج الذهب 3 : 34 .

[24] ـ الصواعق المحرقة : 108 .

[25] ـ اسد الغابة 2: 34 .

[26] ـ نفس المصدر .

[27] ـ تاريخ الخلفاء : 145 .

[28] ـ تاريخ الخلفاء : 144 .

[29] ـ تاريخ الخلفاء: 147 .

[30] ـ مروج الذهب 3 : 105 .

[31] ـ الإرشاد للشيخ المفيد 2 : 142 .

[32] ـ مناقب آل أبي طالب 3 : 290 .

[33] ـ مستدرك الوسائل 1 : 125 .

[34] ـ منهاج السنة 2 : 123 .

[35] ـ الإرشاد للشيخ المفيد 2 : 153 .

[36] ـ الإرشاد للشيخ المفيد 2 : 149 ، نقلاً عن تاريخ دمشق 17 : 238 .

[37] ـ جهاد الإمام السجاد(عليه السلام) للسيد محمد رضا الجلالي : 50 ـ 51 .

[38] ـ الإرشاد للشيخ المفيد 2 : 112 .

[39] ـ الذِّرب : إفساد الطعام في المعدة فلم ينهظم ويخرج رقيقاً ، وهو ما يسمى (بالإسهال) . وقد أشفى المريض إذا قرب من الموت .

[40] ـ الإرشاد للشيخ المفيد 2 : 119 .

[41] ـ سورة الحديد  57 الآية 22 .

[42] ـ سورة الشورى 42 الآية 30 .

[43] ـ أعلام الهداية 6 : 73 .

[44] ـ الخصال 2 : 564  ، منشورات جماعة المدرسين بقم المقدسة .

[45] ـ من لايحضره الفقيه 2 : 376 ، الطبعة السادسة 1405هـ = 1985م ، دار الأضواء ، بيروت.

[46] مشيخة النجاشي :

[47] ـ مقدمة كتاب الخصال للشيخ علي اكبر غفاري .

[48] ـ أعلام الزرگلي 5 : 87 ، الطبعة الثالثة .

[49] ـ انظر كمال الدين :

[50] ـ انظر مقدمة كتاب الخصال للشيخ علي اكبر غفاري .

[51] ـ تحف العقول : 183 .

[52] ـ مجالس المؤمنين

[53] ـ روضات الجنات للمحدث الخوانساري : 177 المطبوع في ايران .

[54] ـ جهاد الامام السجاد(عليه السلام) للسيد محمد رضا الجلالي ص 179 .

[55] ـ معجم ما كتب عن الرسول واهل البيت(عليه السلام) لعبد الجبار الرفاعي 8 : 181  .

[56] ـ الخصال 2 : 564، تصحيح وتعليق علي اكبر الغفاري، من منشورات جماعة المدرسين في الحوزه العلمية بقم المقدسة،  رقم 164 .

[57] ـ معجم رجال الحديث 2: 278 الطبعة الخامسة سنة 1413هـ ـ 1992 م .

[58] ـ تنقيح المقال للعلامة المامقاني 4 : 347 .

[59] ـ الخصال 2 : هامش صفحة 564 .

[60] ـ منتهى المقال في أحوال الرجال لأبي علي الحائري ت 1216هـ تحقيق مؤسسة آل البيت(عليهم السلام) لأحياء التراث 5 : 300 .

[61] ـ سورة الجاثية : الآية 29 .

[62] ـ منتهى المقال للحائري 2 : 188 .

[63] ـ منتهى المقال للحائري 3 : 188 .

[64] ـ الارشاد للشيخ المفيد 2 : 298 .

[65] ـ الكافي 3 : 297 ، ح 4 .

[66] ـ معجم رجال الحديث للسيد الخوئي 17 : 318 .

[67] ـ الخصال للشيخ الصدوق 2 : 564 .

[68] ـ معجم رجال الحديث للسيد الخوئي 17 : 318 .

[69] ـ سورة الانعام ، الأية 39  .

[70] معجم رجال الحديث للسيد الخوئي 18 : 146 .

[71] ـ سورة المائدة الآية 55 .

[72] ـ معجم رجال الحديث 4 : 296  .

[73] ـ الخصال للشيخ الصدوق ت 381هـ ، مؤسسة النشر الاسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقمّ المشرفة : 564 ، ابواب الخمسين .

[74] ـ تحف العقول لابن شعبة الحرّاني في اعلام القرن الرابع ، الطبعة الخامسة : 138 .

[75] ـ الشورى : 41 .

[76] ـ شورى 42 ، الاية 41 .

[77] ـ آل عمران 3 ، الآية 186 .

[78] ـ النحل 16 ، الآية 126 .

[79] ـ سورة الفاتحة : الآية 5 .

[80] ـ سورة يس : الآية 60 .

[81] ـ سورة المؤمنون : الآية 47 .

[82] سورة الرعد : الآية 36 .

[83] ـ موسوعة كلمات الإمام الحسين (عليه السلام) .

[84] ـ سورة الشعراء الآية 22 .

[85] ـ رسالة العبودية لابن تيميّة .

[86] ـ سورة الشعراء : الآية 80 .

[87] ـ سورة الفاتحة : الآية 5 .

[88] ـ سورة الفاتحة : الآية 5 .

[89] ـ سورة الذاريات ، الآية 56 .

[90] ـ شرح نهج البلاغة ، لابن ابي الحديد ، 1 : 50 .

[91] ـ لسان العرب 4 : 173 (خلص) .

[92] ـ سورة النساء : الآية 48 .

[93] ـ بحار الأنوار للمجلسي 73 : 158 ، ح 3 .

[94] الكافي

[95] ـ عدة الداعي لابن فهد الحلي ص 218 ، عيون اخبار الرضا 7 ، ص 69 .

[96] ـ أنظر الكافي ص 223 .

[97] ـ الكافي 2 ، ص 223 ، ح 21 .

[98] ـ البخاري في كتاب الايمان .

[99] ـ سورة لقمان : الآية 12 .

[100] ـ سورة النحل : الآية 112 .

[101] ـ سورة سبأ : الآية 15 ـ 17 .

[102] ـ انظر الإرشاد للشيخ المفيد ج 1 .

[103] ـ سورة الأنعام : الآية 124 .

[104] ـ سورة الحجرات : الآية 13 .

[105] ـ سورة النساء : الآية 1 .

[106] ـ سورة الإسراء : الآية 70 .

[107] ـ سورة الإسراء : الآية 23 .

[108] ـ وسائل الشيعة 21 : 479 .

[109] ـ وسائل الشيعة 21 : 482 .

[110] ـ  شرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد المعتزلي 20 : 140 .

[111] ـ سورة العلق : الآية 1 ـ 5 .

[112] ـ فضائل الخمسة من الصحاح الستة .

[113] ـ أمن الطفل العربي للدكتور عبد العزيز خزاعلة ، ص 25 .

[114] ـ الصحيفة السجادية الكاملة ، طبعت في لندن 1428 هـ في مؤسسة الإمام علي(عليه السلام) التابعة لمكتب آية الله العظمى السيد علي السيستاني(مد ظله): ص 129  في الدعاء  الرابع والعشرين .

[115] ـ الصحيفة السجادية ، الدعاء الخامس والعشرين .