ايمان أبي طالب

ابو طالب في الذكر الحكيم
لقد أغرق القوم نزعا في الوقيعة والتحامل على بطل الإسلام والمسلم الأول بعد ولده البار، وناصر دين الله الوحيد ، فلم يقنعهم ما اختلقوه من الأقاصيص حتى عمدوا الى كتاب الله فحرّفوا الكلم عن مواضعه ، فافتعلوا في آيات ثلاث أقاويل نأت عن الصدق ، وبعدت عن الحقيقة بعد المشرقين ، وهي عمدة ما استند إليه القوم في عدم تسليم إيمان أبي طالب ، فإليك البيان :
الآية الأولى :
قوله تعالى : ( وهم ينهون عنه وينأون عنه وإن يهلكون إلاّ أنفسهم وما يشعرون ) . [ سورة الأنعام : الآية : 26 ]
أخرج الطبري وغيره من طريق سفيان الثوري عن حبيب بن أبي ثابت عمّن سمع ابن عباس أنّه قال : إنها نزلت في أبي طالب ، ينهى عن أذى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يؤذى ، وينأى أن يدخل في الإسلام(1) .
وقال القرطبي : هو عام في جميع الكفار أي ينهون عن أذى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وينأون عنه عن ابن عباس والحسن وقيل هو خاص بأبي طالب ينهى الكفار عن أذاية محمد صلى الله عليه وآله وسلم ويتباعد من الإيمان به ، عن ابن عباس أيضا . روى أهل السير قال : كان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قد خرج الى الكعبة يوما وأراد أن يصلي ، فلّما دخل في الصّلاة قال أبو جهل ـ لعنه الله ـ : من يقوم الى هذا الرجل فيفسد عليه صلاته ؟ فقام ابن الزبعري فأخذ فرثا ودها فلطّخ به وجه النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فانفتل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم من صلاته ثمّ أتى أبا طالب عمّه فقال : ياعم ألا ترى الى ما فُعل بي ؟ فقال أبو طالب : من فعل هذا بك ؟ فقال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم : عبدالله بن الزبعري ، فقام أبو طالب ووضع سيفه على عاتقه ومشى معه حتى أتى القوم فلّما رأوا أبا طالب قد أقبل جعل القوم ينهضون ، فقال أبو طالب : والله لئن قام رجل لجلّلته بسيفي فقعدوا حتى دنا إليهم ، فقال : يانبيّ من الفاعل بك هذا ؟ فقال : عبدالله بن الزبعري . فأخذ أبو طالب فرثا ودها فلطّخ به وجوههم ولحاهم وثيابهم وأساء لهم القول فنزلت هذه الآية : وهم ينهون
____________
(1) طبقات ابن سعد ج1 ص105 ، تاريخ الطبري ج7 ص110 ، تفسير ابن كثير ج2 ص127 ، الكشاف ج1 ص448 ، تفسير ابن جزي ج2 ص6 ، تفسير الخازن ج2 ص11 .
( 2 )

عنه وينأون عنه . فقال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم : يا عمّ ! نزلت فيك آية . قال : وما هي ؟ قال تمنع قريشا أن تؤذيني ، وتأبى أن تؤمن بي . فقال أبو طالب :
والله لن يصلوا إليك بجمعهم * حتى اوسّد في التراب دفينــا

الى آخر الأبيات التي أسلفناها ج7 ص371 ، 389 . فقالوا : يارسول الله ! هل تنفع نصرة أبي طالب ؟ قال : نعم دفع عنه بذاك الغلّ ، ولم يقرن مع الشياطين ، ولم يدخل في جبّ الحيّات والعقارب ، إنما عذابه في نعلين من نار يغلي منهما دماغه في رأسه ، وذلك أهون أهل النار عذابا(1) .
قال الأمنيني : نزول هذه الآية في أبي طالب باطل لايصح من شتى النواحي :
1 ـ أرسال حديثه بمن بين حبيب بن أبي ثابت وابن عباس ، وكم وكم غير ثقة في أناس رووا عن ابن عباس ولعل هذا المجهول أحدهم .
2 ـ إن حبيب بن أبي ثابت إنفرد به ولم يروه أحد غيره ولا يمكن المتابعة على ما يرويه ولو فرضناه ثقة في نفسه بعد قول ابن جبّان : إنه كان مدلّسا . وقول العقيلي غمزه ابن عون وله عن عطاء أحاديث لا يتابع عليه . وقول القطّان : له غير حديث عن عطاء لا يتابع عليه وليست بمحفوظة . وقول الآجري عن أبي داوود : ليس لحبيب عن عاصم بن ضمرة شيء يصح ، وقول ابن خزيمة كان مدلّسا(2) .
ونحن لا نناقش في السند بمكان سفيان الثوري ، ولانؤاخذه بقول من قال : إنه يدلّس ويكتب عن الكذّابين(3) .
3 ـ إن الثابت عن ابن عباس بعدّة طرق مسندة يضادّ هذه المزعمة ، ففيما رواه الطبري وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق علي بن أبي طلحة وطريق العوفي عنه إنها في المشركين الذين كانوا ينهون الناس عن محمد أن يؤمنوا به وينأون عنه يتباعدون عنه(4) .
وقد تأكد ذلك ما أخرجه الطبري وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وعبد بن حميد من طريق وكيع عن سالم عن ابن الحنفية ، ومن طريق الحسين بن الفرج عن أبي معاذ ، ومن طريق بشر عن قتادة .
____________
(1) تفسير القرطبي ج6 ص406 .
(2) تهذيب التهذيب ج2 ص179 .
(3) ميزان الإعتدال ج1 ص396 .
(4) تفسير الطبري ج7 ص109 ، الدر المنثور ج3 ص8 .

( 3 )

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة والسدي والضحاك ، ومن طريق أبي نجيح عن مجاهد ، ومن طريق يونس عن ابن زيد قالوا : ينهون عن القرآن وعن النبيّ ، وينأون عنه يتباعدون عنه(1) .
وليس في هذه الروايات أيّ ذكر لأبي طالب ، وإنمّا المراد فيها الكفار الذين كانوا ينهون عن إتباع رسول الله أو القرآن ، وينأون عنه بالتباعد والمناكرة ، وأنت جدّ عليم بأن ذلك كلّه خلاف ما ثبت من سيرة شيخ الأبطح الذي آواه ونصره وذبّ عنه ودعا اليه الى آخر نفس لفظه .
4 ـ أن المستفاد من سياق الآية الكريمة إنه تعالى يريد ذمّ أُناس أحياء ينهون عن اتّباع نبيّه ويتباعدون عنه ، وأن ذلك سيرتهم السيّئة التي كاشفوا بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وهم متلّبسون بها عند نزول الآية كما هو صريح ما أسلفناه من راوية القرطبي وأن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أخبر أبا طالب بنزول الآية .
لكن نظرا الى ما يأتي عن الصحيحين فيما زعموه من أن قوله تعالى في سورة القصص : ( إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء ) . نزلت في أبي طالب بعد وفاته ، لا يتمّ نزول آية ( ينهون عنه وينأون ) النازلة في أناس أحياء ، في أبي طالب ، فإن سورة الأنعام التي فيها الآية المبحوث عنها نزلت جملة واحدة(2) بعد سورة القصص بخمس سور كما في الإتقان ج1 ص17 فكيف يمكن تطبيقها على أبي طالب وهو رهن أطباق الثرى ، وقد توفيّ قبل نزول الآية ببرهة طويلة .
5 ـ إن سياق الآيات الكريمة هكذا : ( ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنّة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا ، وإن يروا كلّ آية لا يؤمنوا بها ، حتى إذا جاءوك يجادلونك يقول الذين كفروا إن هذا إلاّ أساطير الأوّلين * وهم ينهون عنه وينأون عنه وإن يهلكون إلاّ أنفسهم وما يشعرون ) .
وهو كما ترى صريح بأن المراد بالآيات كفّار جاءوا النبيّ فجادلوه وقذفوا كتابه المبين بأنه من أساطير الأولين ، وهؤلاء الذين نهوا عنه صلى الله عليه وآله وسلم
____________
(1) تفسير الطبري ج7 ص109 ، الدر المنثور ج3 ص8 ،9 ، تفسير الآلوسي ج7 ص126 .
(2) أخرجه أبو عبدالله وابن المنذر والطبراني وابن مردويه والنحاس من طريق ابن عباس والطبراني وابن مردويه من طريق عبدالله بن عمر ، راجع تفسير القرطبي ج6 ص383 ، 382 ، تفسير ابن كثير ج2 ص122 ، الدر المنثور ج3 ص2 ، تفسير الشوكاني ج3 ص91 ، 92 .

( 4 )

وعن كتابه الكريم ، ونأوا وباعدوا عنه ، فأين هذه كلّها عن أبي طالب ، الذي لم يفعل كلّ ذلك طيلة حياته ، وكان إذا جاءه فلكلاءته والذبّ عنه بمثل قوله :
والله لن يصلوا إليك بجمعهــم * حتى أُسـد في التراب دفينــا

وإن لهج بذكره نوّه برسالته عنه بمثل قوله :
ألم تعلموا أنّا وجدنا محمـداً * رسولاً كموسى خطّ في أوّل الكتب ؟

وأن قال عن كتابه هتف بقوله :
أو يؤمنوا بكتاب منزل عجب * على نبيّ كموسى أو كذي النون

وقد عرف ذلك المفسّرون فلم يقيموا للقول بنزولها في أبي طالب وزنا ، فمنهم من عزاه الى القيل ، وجعل آخرون خلافه أظهر ، وراى غير واحد خلافه أشبه ، وإليك جملة من نصوصهم :
قال الطبري في تفسيره ج7 ص109 : المراد المشركون المكذّبون بآيات الله ينهون الناس عن اتباع محمد صلى الله عليه وآله وسلم والقبول منه وينأون عنه ويتباعدون عنه . ثم رواه من الطرق التي أسلفناها عن ابن الحنفية وابن عباس والسدي وقتادة وأبي معاذ ، ثمّ ذكره قولا آخر بأن المراد ينهون عن القرآن أن يسمع له ويعمل بما فيه ، وعدّ ممّن قال به قتادة ومجاهد وابن زيد ومرجع هذا الى القول الأوّل ، ثمّ ذكر القول بنزولها في أبي طالب وروى حديث حبيب بن أبي ثابت عمّن سمع ابن عباس وأردفه بقوله في ص110 : وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية قول من قال تأويل ( وهم ينهون عنه ) عن اتباع محمد صلى الله عليه وآله وسلم من سواهم من الناس وينؤون عن اتباعه ، وذلك أن آيات قبلها جرت بذكر جماعة المشركين العادين به والخبر عن تكذيبهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والإعراض عمّا جاءهم به من تنزيل الله ووحيه ، فالواجب أن يكون قوله ( وهم ينهون عنه ) خبرا عنهم ، أذ لم يأتنا ما يدلّ على انصراف الخبر عنهم الى غيرهم ، بل ما قبل هذه الآية وما بعدها يدل صحّة ما قلنا من أن ذلك خبر عن جماعة مشركي قوم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دون أن يكون خبرا عن خاصّ منهم ، وإذ كان ذلك كذلك فتأويل الآية : وإن ير هؤلاء المشركون يا محمد ! كلّ آية لا يؤمنوا حتى

( 5 )

إذا جاؤوك يجادلونك يقولون إن هذا الذي جئتنا به ماهو إلاّ أحاديث الأوّلين وأخبارهم ، وهم ينهون عن استماع التنزيل وينأون عنك ، فيبعدون منك ومن إتباعك ، وإن يهلكون إلاّ انفسهم . ا هـ .
وذكر الرازي في تفسيره ج4 ص28 قولين : نزولها في المشركين الذين كانوا ينهون الناس عن اتباع النبيّ والإقرار برسالته . ونزولها في أبي طالب خاصة فقال : والقول الأوّل أشبه لوجهين : الأول : إن جميع الآيات المتقدّمة على هذه الآية تقتضي ذمّ طريقتهم فكذلك قوله : ( وهم ينهون عنه) ، ينبغي أن يكون محمولا على أمر مذموم فلو حملناها على أن أبا طالب كان ينهى عن ايذائه لما حصل هذا النظم .
والثاني : إنه تعالى قال بعد ذلك : ( وإن يهلكون إلاّ أنفسهم ) يعني به ما تقدّم ذكره ولا يليق ذلك بأن يكون المراد من قوله ( وهم ينهون عنه ) النهي عن أذيته ، لأن ذلك حسن لايوجب الهلاك .
فإن قيل : إن قوله ( وإن يهلكون إلاّ أنفسهم ) يرجع الى قوله ( وينأون عنه ) لا إلى قوله ( ينهون عنه ) لأن المراد بذلك أنهم يبعدون عنه بمفارقة دينه وترك الموافقة له وذلك ذم فلا يصح مارجحتهم به هذا القول ؟ قلنا : إن ظاهر قوله : ( وإن يهلكون إلاّ أنفسهم ) . يرجع الى كلّ ما تقدّم ذكره لأنه بمنزلة أن يقال : إن فلانا يبعد عن الشيء الفلاني وينفر عنه ولا يضّر بذلك إلاّ نفسه ، فلا يكون هذا الضرر متعلقا بأحد الأمرين دون الآخرة . ا هـ .
وذكر ابن كثير في تفسيره ج2 ص127 القول الأوّل نقلا عن ابن الحنفية وقتادة ومجاهد والضحاك وغير واحد فقال : وهذا القول أظهر والله أعلم وهو اختيار ابن جرير .
وذكر النسفي في تفسيره بهامش تفسير الخازن ج2 ص10 : القول الأول ثم قال : وقيل : عني به أبو طالب : والأول أشبه .
وذكر الزمخشري في الكشاف ج1 ص448 ، والشوكاني في تفسيره ج2 ص103 وغيرهما القول الأول وعزوا القول الثاني الى القيل ، وجاء الآلوسي وفصّل في القول الأول ثم ذكر الثاني وأردفه بقوله :

( 6 )

ورده الإمام . ثم ذكر محصّل قول الرازي .
وليت القرطبي لمّا جاءنا يخبط في عشواء وبين شفتيه رواية التقطها كحاطب ليل دلنا على مصدر هذا الذي نسجه ، ممّن أخذه ؟ والى من ينتهي إسناده ؟ ومن ذا الذي صافقه على روايتها من الحفّاظ ؟ وأيّ مؤلف دوّنه قبله ، ومن الذي يقول أن ما ذكره من الشعر قاله أبو طالب يوم ابن الزبعري ؟ ومن الذي يروي نزول الآية يوم ذلك ؟ وأي ربط وتناسب بين الآية وأخطارها النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم على أبي طالب وبين شعره ذاك ؟ وهل روى قوله في هذا النسيج : ياعمّ ! نزلت فيك آية ، غيره من أئمة الحديث ممّن هو قبله أو بعده ؟ وهل وجد القرطبي للجزء الأخير من روايته مصدرا غير تفسيره ؟ وهل أطل على جبّ الحيّات والعقارب فوجده خاليا من أبي طالب ؟ وهل شدّ الأغلال وفكّها هو ليعرف أن شيخ الأبطح لا يغلّ بها ؟ أم إنّ مدركه في ذلك الحديث النبويّ ؟ حبذا لو صدقت الأحلام ، وعلى كلّ فهو محجوج بكلّ ما ذكرناه من الوجوه .
الآية الثانية والثالثة :
1 ـ قوله تعالى : ( ما كان للنبيّ والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبّين لهم أنّهم أصحاب الجحيم )(1) .
2 ـ قوله تعالى : ( إنك لن تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين )(2) .
أخرج البخاري في الصحيح في كتاب التفسير في القصص ج7 ص184 ، قال : ثنا أبو اليمان : أخبرنا شعيب عن الزهري قال : أخبرني سعيد بن المسيب عن أبيه قال : لمّا حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فوجد عنده أبا جهل وعبد الله بن أبي أُمية بن المغيرة فقال : أي عمّ ! قل : لا إله إلاّ الله . كلمة أحاجّ لك بها عند الله . فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أُمية : أترغب عن ملّة عبد المطلب ؟ فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعرضها عليه ويعيدانه بتلك
____________
(1) سورة البراءة : الآية : 113 .
(2) سورة القصص : الآية : 56 .

( 7 )

المقالة حتى قال أبو طالب آخر ما تكلّم : على ملّة عبد المطلب وأبى أن يقول : لا إله إلا الله . فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : والله لأستغفرن لك مالم أنه عنك . فأنزل الله : ( ما كان للنبيّ والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ) . وأنزل الله في أبي طالب فقال لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء ) .
وفي مرسلة الطبري : فنزلت : ( ما كان للنبيّ ) : الآية : ونزلت : ( إنك لا تهدي من أحببت ) .
وأخرجه مسلم في صحيحه من طريق سعيد بن المسيب ، وتبع الشيخين جلّ المفسّرين لحسن ظنّهم بهما وبالصحيحين .
مواقع النظر في هذه الرواية :
1 ـ إن سعيد الذي انفرد بنقل هذه الرواية كان ممّن ينصب العداء لأمير المؤمنين علي عليه السلام فلا يحتج بما يقوله أو يتقوّله فيه وفي أبيه وفي آله وذويه ، فإن الوقيعة فيهم أشهى مأكلة له ، قال أبن أبي الحديد في الشرح ج1 ص370 : وكان سعيد بن المسيب منحرفا عنه عليه السلام ، وجبهه عمر بن علي عليه السلام في وجهه بكلام شديد ، روى عبد الرحمن بن الأسود عن أبي داوود الهمداني قال : شهدت سعيد بن المسيب وأقبل عمر بن علي بن أبي طالب عليه السلام فقال له سعيد : يابن أخي ! ما أراك تكثر غشيان مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟ كما يفعل إخوتك وبنو أعمامك ، فقال عمر : يابن المسيب ! أكلمّا دخلت المسجد أجيء فأشهدك ؟ فقال سعيد : ما أحبّ أن تغضب سمعت أباك يقول : إن لي من الله مقاما لهو خير لبني عبد المطلب ممّا على الأرض من شيء فقال عمر : وأنا سمعت أبي يقول : ما كلمة حكمة في قلب منافق فيخرج من الدنيا إلاّ يتكلم بها . فقال سعيد : يابن أخي ! جعلتني منافقا ؟ قال : هو ما أقول لك . ثم أنصرف .
وأخرج الواقدي من أن سعيد بن المسيب مرّ بجنازة السّجاد علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام ولم يصلّ عليها فقيل له : ألا
( 8 )

تصل على هذا الرجل الصالح من أهل البيت الصالحين ؟ فقال : صلاة ركعتين أحب إليّ من الصّلاة على الرجل الصالح . ويعرّفك سعيد بن المسيب ومبلغه من الحيطة في دين الله ما ذكره ابن حزم في المحلى ج4 ص214 عن قتادة قال : قلت لسعد : أنصلّي خلف الحجّاج ؟ قال : إنّا لنصلّي خلف من هو شرّ منه .
2 ـ إنّ ظاهر رواية البخاري كغيرها تعاقب نزول الآيتين عند وفاة أبي طلب عليه السلام كما أن صريح ماورد في كلّ واحدة من الآيتين نزولها عند ذلك ولا يصحّ ذلك لأن الآية الثانية منهما مكية والأولى مدنيّة نزلت بعد الفتح بالإتفاق وهي في سورة البراءة المدنية التي هي آخر ما نزل من القرآن(1) فبين نزول الآيتين ما يقرب من عشر سنين أو يربو عليها .
إن آية الإستغفار نزلت بالمدينة بعد موت أبي طالب بعدّة سنين تربو على ثمانية أعوام ، فهل كان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم خلال هذه المدّة يستغفر لأبي طالب عليه السلام أخذا بقوله صلى الله عليه وآله وسلم : والله لأستغفرن لك مالم أنه عنك ؟ وكيف كان يستغفر له ؟ وكان هو صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنون ممنوعين عن موادّه المشركين والمنافقين وموالاتهم والإستغفار لهم ـ الذي هو من أظهر مصاديق الموادّة والتحابب ـ منذ دهر طويل بقوله تعالى : ( لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادّون من حادّ الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم ، أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ) . الآية .
هذه أية 22 من سورة المجادلة المدنية النازلة قبل سورة البراءة التي فيها آية الإستغفار بسبع سور كما في الإتقان ج1 ص17 ، وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وأبو نعيم والبيهقي وابن كثير كما في تفسيره ج4 ص329 ، وتفسير الشوكاني ج5 ص189 ، وتفسير الآلوسي ج28 ص37 إن هذه الآية نزلت يوم بدر وكانت في السنة الثانية من الهجرة الشريفة ، أو نزلت على ما في بعض التفاسير في أُحد وكانت في السنة الثالثة باتفاق الجمهور كما قاله الحلبي في السيرة ، فعلى هذه كلها ، نزلت هذه الآية قبل آية الإستغفار بعدّة سنين .
____________
(1) صحيح البخاري ج7 ص67 في آخر سورة النساء ، الكشاف ج2 ص49 ، تفسير القرطبي ج8 ص283 ، الإتقان ج1 ص17 ، تفسير الشوكاني ج3 ص316 نقلا عن ابن أبي شيبة والبخاري والنسائي وابن الضريس وابن المنذر والنحاس وأبي الشيخ وابن مردويه عن طريق البراء بن عازب .
( 9 )

وبقوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا ) .
هذه آية 144 من سورة النساء وهي مكيّة على قول النحاس وعلقمة وغيرهما ممّن قالوا : إن قوله تعالى : يا أيها الناس . حيث وقع إنّما هو مكيّ(1) وإن أخذنا بما صحّحه القرطبي في تفسيره ج5 ص1 وذهب اليه الآخرون من أنّها مدينة أخذا بما في صحيح البخاري(2) من حديث عائشة : مانزلت سورة النساء إلا وأنا عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإنها نزلت في أوليات الهجرة الشريفة بالمدينة ، وعلى أي من التقديرين نزلت قبل سورة أية الإستغفار في « البراءة » بإحدى وعشرين سورة كما في الإتقان ج1 ص17 .
وبقوله سبحانه : ( الذين يتخّذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزّة ) .
هذه آية 139 من سورة النساء وقد عرفت أنها نزلت قبل البراءة .
وبقوله تعالى : ( لا يتّخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلاّ أن تتّقوا منهم تقاة ويحذّركم الله نفسه والى الله المصير ) .
هذه آية 28 من آل عمران ، نزل صدرها الى بضع وثمانين آية في أوائل الهجرة الشريفة يوم وفد نجران كما في سيرة ابن هشام ج2 ص207 ، وأخذا بما رواه القرطبي وغيره(3) نزلت هذه الآية في عبادة بن الصامت يوم الأحزاب وكانت في الخمس من الهجرة ، وعلى أي من التقديرين وغيرهما نزلت آل عمران قبل سورة البراءة وآية الإستغفار بأربع وعشرين سورة كما في الإتقان ج1 ص17 .
وبقوله تعالى : ( سواءً عليهم استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم ) . وهي الآية السادسة من المنافقين نزلت عام غزوة بني المصطلق سنة ست وهو المشهور عند أصحاب المغازي والسير كما قاله ابن كثير(4) ونزلت قبل البراءة بثمان سور كما في الإتقان ج1 ص17 .
____________
(1) تفسير القرطبي ج5 ص1 .
(2) ج7 ص300 في كتاب التفسير باب تأليف القرآن ، وذكره القرطبي في تفسيره ج5 ص1 .
(3) تفسير القرطبي ج4 ص58 ، تفسير الخازن ج1 ص235 .
(4) تفسير القرطبي ج18 ص127 ، تفسير ابن كثير ج4 ص369 .

( 10 )

وبقوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخّذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبّوا الكفر على الإيمان ومن يتولّهم منكم فأولئك هم الظالمون ) .
وبقوله تعالى : ( استغفر لهم أو لا تستغفر أن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ) .
وهذه وماقبلها آيتا 23 و 80 من سورة التوبة نزلت قبل آية الإستغفار .
أترى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم مع هذه الآيات النازلة قبل آية الإستغفار كان يستغفر لعّمه طيلة مدّة سنين وقد مات كافرا ـ العياذ بالله ـ وهو ينظر اليه من كثب ؟ لاها الله ، حاشا نبيّ العظمة .
ولعلّ لهذه كلها استبعد الحسين بن الفضل نزولها في أبي طالب وقال : هذا بعيد لأن السورة من آخر ما نزل من القرآن ، ومات أبو طالب في عنفوان الإسلام والنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بمكة ، وذكره القرطبي وأقره في تفسيره ج8 ص273 .
4 ـ إن هناك روايات تضادّ هذه الرواية في مورد نزول آية الإستغفار من سورة البراءة ، منها :
صحيحة أخرجها الطيالسي وابن أبي شيبة وأحمد والترمذي والنسائي وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وصحّحه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان والضياء في المختارة عن علي قال : سمعت رجلا يستغفر لأبويه وهما مشركان فقلت : تستغفر لأبويك وهما مشركان ؟ فقال : أولم يستغفر إبراهيم . فذكرت ذلك للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فنزلت : ( ما كان للنبيّ والذين أمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبيّن له أنهم أصحاب الجحيم * وما كان إستغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إيّاه فلّما تبيّن له أنه عدّو لله تبرّأ منه إن إبراهيم لأوّاه حليم )(1) .
يظهر من هذه الرواية أن عدم جواز الإستغفار للمشركين كان أمرا معهودا قبل نزول الآية ولذلك ردع عنه مولانا أمير المؤمنين الرجل ، وقوله عليه السلام هذا لايلائم مع استغفار النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لعمّه على تقدير عدم إسلامه ، وترى الرجل ما استند قطّ في تبرير عمله الى استغفار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعمّه علما بأنه صلى الله عليه وآله وسلم قط لا يستغفر لمشرك .
____________
(1) سورة التوبة : الآيتان : 113 ،114 .
( 11 )

قال السيد زيني دحلان في أسنى المطالب ص18 هذه الرواية صحيحة وقد وجدنا لها شاهدا برواية صحيحة من حديث إبن عباس رضي الله عنهما قال : كانوا يستغفرون لآبائهم حتى نزلت هذه الآية فلمّا نزلت أمسكوا عن الإستغفار لأمواتهم ولم ينهوا أن يستغفروا للأحياء حتى يموتوا ثمّ أنزل الله تعالى : ( وما كان استغفار ابراهيم ) . الآية يعني استغفر له مادام حيّا فلمّا مات أمسك عن الإستغفار له قال : وهذا شاهد صحيح فحيث كانت هذه الرواية أصحّ كان العمل بها أرجح ، فالارجح أنها نزلت في استعفار أناس لآبائهم المشركين لا في أبي طالب . ا هـ .
ومنها : ما أخرجه ـ في سبب نزول آية الإستغفار ـ مسلم في صحيحه ، وأحمد في مسنده ، وأبو داوود في سننه ، والنسائي وابن ماجة عن أبي هريرة رضي الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أتى قبر أمه فبكى وأبكى من حوله فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يأذن لي ، واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي ، فزوروا القبور فإنها تذكرة الآخرة(1) .
وأخرج الطبري والحاكم وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن مسعود وبريدة ، والطبراني وابن مردويه والطبري من طريق عكرمة عن ابن عباّس : أنّه صلى الله عليه وسلم لمّا أقبل من غزوة تبوك اعتمر فجاء قبر أمه فاستأذن ربه أن يستغفر لها ، ودعا الله تعالى أن يأذن له في شفاعتها يوم القيامة فأبى أن يأذن فنزلت الآية(2) .
وأخرج الطبري في تفسيره ج11 ص31 عن عطيّة لمّا قدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مكة وقف على قبر أمه حتى سخنت عليه الشمس رجاء أن يؤذن له فيستغفر لها حتى نزلت : ( ما كان للنبيّ ) الى قوله : ( تبرّأ منه ) .
وروى الزمخشري في الكشّاف ج2 ص49 حديث نزول الآية في أبي طالب ثمّ ذكر هذا الحديث في سبب نزولها وأردفها بقوله : وهذا أصح لأن موت أبي طالب كان قبل الهجرة وهذا آخر ما نزل بالمدينة .
وقال القسطلاني في إرشاد الساري ج7 ص270 : قد ثبت أن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أتى قبر أمه لمّا اعتمر فاستأذن ربّه أن يستغفر لها
____________
(1) إرشاد الساري في شرح البخاري ج7 ص151 .
(2) تفسير الطبري ج11 ص31 ، إرشاد الساري ج7 ص270 ، الدر المنثور ج3 ص283 .

( 12 )

فنزلت هذه الآية ، رواه الحاكم وابن أبي حاتم عن إبن مسعود ، والطبراني عن ابن عباس ، وفي ذلك دلالة على تأخر نزول الآية عن وفاة أبي طالب والأصل عدم تكرار النزول .
قال الأميني : هلا كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعلم الى يوم تبوك بعد تلكم الآيات النازلة التي ألفيناها في ص29 ـ31 ، أنه غير مسوغ له وللمؤمنين الإستغفار للمشركين والشفاعة لهم ، فجاء يستأذن ربّه أن يستغفر لأمّه ويشفع لها ، أو كان يحسب أن لامّه حسابا آخر دون سائر البشر ؟ أو أن الرواية مختلفة تمس كرامة النبيّ الأقدس ، وتدنّس ذيل قداسة أمه الطاهرة عن الشرك .
ومنها : ما أخرجه الطبري في تفسيره ج11 ص31 عن قتادة قال : ذكر لنا إن رجالا من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قالوا : يانبيّ الله ! أن من آبائنا من كان يحسن الجوار ، ويصل الرحم ، ويفكّ العاني ، ويوفي بالذمم ، أفلا نستغفر لهم ؟ فقال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم والله لأستغفرن لأبي كما أستغفر ابراهيم لأبيه فأنزل الله : ( ما كان للنبيّ ) ثمّ عذر الله إبراهيم عليه الصلاة والسلام فقال : ( وما كان استغفار ابراهيم لأبيه ) الى قوله : ( تبرأ منه ) .
وأخرج الطبري من طريق عطية العوفي عن أبن عباس قال : إن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أراد أن يستغفر لأبيه فنهاه الله عن ذلك بقوله : ( ما كان للنبيّ والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ) : الآية . قال : فإن إبراهيم قد استغفر لأبيه فنزلت : ( وما كان استغفار ابراهيم لأبيه إلا عن موعدة ) . الآية . الدر المنثور ج3 ص283 .
وفي هاتين الروايتين نص على أن نزول الآية الكريمة في أبيه وآباء رجال من أصحابه صلى الله عليه وآله وسلم لا في عمه ولا في أمّه .
ومنها : ما جاء به الطبري في تفسيره ج11 ص33 قال : قال آخرون : الإستغفار في هذا الموضع بمعنى الصلاة . ثم أخرج من طريق المثنى عن عطاء بن أبي رباح قال : ما كنت أدع الصلاة على أحد من أهل هذه القبلة ولو كانت حبشية حبلى من الزنا ، لأني لم اسمع الله يحجب الصلاة إلا عن المشركين بقول الله : ( ما كان للنبيّ والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ) الآية .
( 13 )

وهذا التفسير أن صح فهو مخالف لجميع ما تقدم من الروايات الدالة على أن المراد من الآية هو طلب المغفرة كما هو الظاهر المتفاهم من اللفظ .
ونفس هذا الإضطراب والمناقضة بين هذه المنقولات وبين ما جاء به البخاري ممّا يفتّ في عضد الجميع ، وينهك من إعتباره ، فلا يحّج بمثله ولاسيما في مثل المقام من تكفير مسلم بارّ ، وتبعيد المتفاني دون الدين عنه .
5 ـ إن المستفاد من رواية البخاري نزول آية الإستغفار عند موت أبي طالب كما هو ظاهر ما أخرجه اسحاق بن بشر وابن عساكر عن الحسن قال : لمّا مات أبو طالب قال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم : إن ابراهيم استغفر لأبيه وهو مشرك وأنا أستغفر لعمّي حتى أبلغ ، فأنزل الله ( ما كان للنبيّ والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ) . الآية . يعني به أبا طالب ، فاشتد على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فقال الله لنبيّه صلى الله عليه وآله وسلم : ( وما كان استغفار ابراهيم لأبيه إلاّ عن موعدة وعدها إيّاه ) . الدر المنثور ج3 ص283 . وإن ناقضها ما أخرجه ابن سعد وابن عساكر عن علي قال : أخبرت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بموت أبي طالب فبكى فقال : إذهب فغسّله وكفّنه وواره غفر الله له ورحمه . ففعلت وجعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يستغفر له أيّاما ولا يخرج من بيته حتى نزل جبريل عليه السلام بهذه الآية : ( ما كان للنبيّ والذين أمنوا ) . الآية(1) .
ولعله ظاهر ما أخرجه ابن سعد وأبو الشيخ وابن عساكر من طريق سفيان بن عيينة عن عمر قال : لمّا مات أبو طالب قال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : رحمك الله وغفر لك ، لا أزال أستغفر لك حتى ينهاني الله ، فأخذ المسلمون يستغفرون لموتاهم الذين ماتوا وهو مشركون فأنزل الله : ( ما كان للنبيّ والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ) . الدر المنثور ج3 ص283 .
لكن الأمة أصفقت على أن نزول البراءة التي تضمّنت الآية الكريمة آخر ما نزل من القرآن كما مرّ في ص29 وكان ذلك بعد الفتح ، وهي هي التي بعث بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أبا بكر ليتلوها على أهل مكة ثمّ استرجعه بوحي من الله سبحانه وقيّض لها مولانا أمير المؤمنين فقال : لا يبلّغها عنّي إلاّ أنا أو رجل منّي(1) وقد جاء في صحيحة مرّت من عدة طرق في ص32 من أن آية الإستغفار نزلت بعدما أقبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من غزوة تبوك
____________
(1) طبقات ابن سعد ج1 ص105 ، الدر المنثور ج3 ص 282 نقلا عن ابني سعد وعساكر .
( 14 )

وكانت في سنة تسع فأين من هذه كلّها نزولها عند وفاة أبي طالب أو بعدها بأيّام ؟ وأنّى يصحّ ما جاء به البخاري ومن يشاكله في رواية البواطيل .
6 ـ إن سياق الآية الكريمة ـ آية الإستغفار ـ سياق نفي لا نهي فلا نصّ فيها على أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إستغفر فنهى عنه ، وإنّما يلتئم مع استغفاره لعلمه بإيمان عمّه ، وبما أن في الحضور كان من لايعرف ذلك من ظاهر حال أبي طالب الذي كان يماشي به قريشا فقالوا في ذلك أو اتخذوه مدركا لجواز الإستغفار للمشركين كما ربما احتجّوا بفعل إبراهيم عليه السلام فأنزل الله سبحانه الآية وما بعدها من قوله تعالى : ( وما كان إستغفار إبراهيم ) . الآية . تنزيها للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وتعذرا لابراهيم عليه السلام ، وايعازا الى أن من استغفر له النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن مشركا كما حسبوه ، وأن مرتبه النبّوة تأبى عن الإستغفار للمشركين ، فنفس صدوره منه صلى الله عليه وآله وسلم برهنة كافية على أن أبا طالب لم يكن مشركا ، وقد عرفت ذلك أفذاذ من الأُمة فلم يحتجوا بعمل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لاستغفارهم لآبائهم المشركين ، وإنما اقتصروا في الإحتجاج بعمل أبراهيم عليه السلام كما مرّ في صحيحة عن مولانا أمير المؤمنين عليه السلام قال : سمعت رجلا يستغفر لأبويه وهما مشركان فقلت : تستغفر لأبويك وهما مشركان ؟ قال : أوَلم يستغفر إبراهيم . الحديث راجع صفحة 31 من هذا الجزء .
ولو كان يعرف هذا الرجل أبا طالب مشركا لكان الإستدلال لتبرير عمله بإستغفار نبيّ الاسلام له ـ ولم يكن يخفى على أيّ أحد ـ أولى من استغفار إبراهيم لأبيه لكنّه اقتصر على ما استدل به .
7 ـ إنّا على تقدير التسليم لرواية البخاري وغضّ الطرف عمّا سبق عن العباس من أن أبا طالب لهج بالشهادتين ، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : الحمد لله الذي هداك ياعّم ! وما مرّ عن مولانا أمير المؤمنين من أنه ما مات حتى أعطى رسول الله من نفسه الرضا ، وما مرّ من قوله صلى الله عليه وآله وسلم : كل الخير أرجو من ربّي « لأبي طالب » وما مرّ من وصيّة أبي طالب عند الوفاة لقريش وبني عبد المطلب بإطاعة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإتباعه والتسليم لأمره وأن فيه الرشد والفلاح ، وأنّه صلى الله عليه وآله وسلم الأمين في قريش والصدّيق في
( 15 )

العرب . الى تلكم النصوص الجمّة في نثره ونظمه ، فبعد غضّ الطرف عن هذه كلها لا نسلمّ أنّ أبا طالب عليه السلام أبى عن الإيمان في ساعته الأخيرة لقوله : على ملة عبد المطلب . ونحن لا نرتاب في أن عبد المطلب سلام الله عليه كان على المبدأ الحق ، وعلى دين الله الذي أرتضاه للناس ربّ العالمين يومئذ ، وكان معترفا بالمبدأ والمعاد ، عارفا بأمر الرسالة ، اللائح على اساريره نورها ، الساكن في صلبه صاحبها ، وللشهرستاني حول سيّدنا عبد المطلب كلمة ذكرنا جملة منها في الجزء السابع ص386 و390 فراجع الملل والنحل والكتب التي(1) ألفها السيوطي في أباء النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم حتى تعرف جلية الحال ، فقول أبي طالب عليه السلام : على ملة عبد المطلب . صريح في أنه معتنق تلكم المباديء كلّها ، أضف الى ذلك نصوصه المتواصلة طيلة حياته على صحّة الدعوة المحمّديّة .
8 ـ نظرة في الثانية من الآيتين ، ولعلّك عرفت بطلان دلالتها على ما ارتأوه من كفر شيخ الأباطح سلام الله عليه من بعض ما ذكرناه من الوجوه ، فهلم معي لننظر فيها خاصة وفيما جاء فيها بمفردها فنقول أولا : إن هذه الآية متوسطة بين آي تصف المؤمنين ، وأخرى يذكر سبحانه فيها الذين لم يؤمنوا حذار أن يتخطفوا من مكة المعظمة ، فمقتضى سياق الآيات أنه سبحانه لم يرد بهذه الآية إلاّ بيان أن الذين اهتدوا من المذكورين قبلها لم تستند هدايتهم الى دعوة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فحسب ، وإنّما الإستناد الحقيقي الى مشيئته وإرادته سبحانه على وجه لا ينتهي الى الإلجاء بنحو من التوفيق كما أن استناد الإضلال اليه سبحانه بنحو من الخذلان ، وإن كان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وسيطا في تبليغ الدعوة ( فإن تولّوا فإنما عليه ما حُمّل وعليكم ما حُمّلتم ، وإن تطيعوه تهتدوا ، وما على الرسول إلاّ البلاغ المبين )(2) وفي الذكر الحكيم : ( إنما أمرت أن أعبد ربّ هذه البلدة التي حرّمها ، وله كلّ شيء وأمرت أن أكون من المسلمين ، وإن أتلوا القرآن فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضلّ فقل إنّما أنا من المنذرين )(3) . كما أن إبليس اللعين يزيّن للعاصي عمله ، ( أوَلو كان الشيطان يدعوهم
____________
(1) منها : مسالك الحنفا في والدي المصطفى ، الدرج المنيفة في الآباء الشريفة ، المقامة السندسية في النسبة المصطفوية ، التعظيم والمنّة في أن أبوي رسول الله في الجنة ، تشر العلمين في إحياء الأبوين ، السبل الجليّة في الآباء العليّة .
(2) سورة النور : الآية : 54 .
(3) سورة النمل : الآية : 92 .

( 16 )

الى عذاب السعير )(1) ( وزيّن لهم الشيطان أعمالهم فصدّهم عن السبيل )(2) ( إستحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله )(3) ( إن الذين ارتدّوا على أدبارهم من بعد ما تبيّن لهم الهدى الشيطان سوّل لهم وأملى لهم )(4) وقد جاء فيما أخرجه العقيلي وابن عدي وابن مردويه والديلمي وابن عساكر وابن النجار عن عمر بن الخطاب (رض) قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله سلم : بعثت داعيا ومبلغا وليس اليّ من الهدى شيء ، وخلق إبليس مزيّنا وليس إليه من الضلالة شيء(5) .
____________
(1) سورة لقمان : الآية : 21 .
(2) سورة العنكبوت : الآية : 38 ، سورة النمل : الآية : 24 .
(3) سورة المجادلة : الآية : 15 .
(4) سورة محمد : الآية : 25 .
(5) مجمع الزوائد للحافظ الهيثمي ، الجامع الصغير للسيوطي .