التحول الثقافي وتناقض الأفكار

الشيخ محمد تقي فلسفي

( قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب ) .
[القرآن الكريم]


آثار التحول الثقافي :
أخذت ثقافات الدول تتحول بسرعة في عالم اليوم ، وكذلك تتغير المباني العلمية والبرامج التربوية دائماً ، ويقدم العلماء كل يوم نظريات جديدة في مواضيع مختلفة للعالم ، وكل نظرية ، صحيحة كانت أم خاطئة ، تترك آثاراً على أفكار الناس .
والتحول الثقافي غيّر جميع شؤون حياة الإنسان ، فردياً واجتماعياً ، وبدل أخلاق الشعوب وسلوكها ، كما أنه أضعف العقيدة الدينية في باطن الأشخاص ، وزعزع المبادئ الأخلاقية الثابتة ، وقلل من أهمية التقوى والطهر . وأدى هذا التحول إلى اختلاف معايير الفضيلة والرذيلة ، وفقدت الآداب والسنن الإجتماعية أهميتها ، وفي بعض المواضع حلت أعراف جديدة مكانها .
واختلط الصحيح والخطأ في الثقافة الجديدة ، فإلى جانب التعاليم الصحيحة والمفيدة وجدت تعاليم خاطئة ومضرة ، وعلى اثر التعاليم السيئة فقد


( 2 )

تعقّد الصواب والخطأ يوماً بعد آخر ، وأصبح من الصعب التمييز بين الخير والشر ، كما ازدادت حيرة الناس في معرفة المباح والمحرّم .
فالأطفال ينشأون في العائلة طبقاً لمعتقدات الوالدين والسنن والآداب والإجتماعية . وعلى هذا الأساس تثبت أعمدة شخصياتهم ، ولكنهم عندما يصلون سن الشباب ، ويدخلون المجتمع ، ويواجهون التعاليم المخالفة لتربيتهم في عهد الطفولة ، يصابون بالقلق ، ونتيجة التضاد الداخلي والاضطراب الفكري تتزعزع شخصياتهم .

اهتزاز الشخصية :
« يقول جان ديوي : يرزح الإنسان اليوم تحت تأثير عوامل كثيرة كل منها يترك في ذهنه أثراً يدفعه إلى التفكير .
ومن الطبيعي أن أثر المبادئ الدينية والصحف والمجلات ومراكز التعليم والمدارس والجامعات ومعاشرة الناس ، ليس متساوياً . وفي الوقت نفسه فإن لكل شخص مبادئ تعليمية وتربوية مختلفة ، وهناك اختلاف شديد بين العادات ، كما أن أعمدة الشخصية مهتزة وغير ثابتة ، والمبادئ الأخلاقية ضعيفة والتصرفات غير مطمئنة » (1) .
« يقول صموئيل كينغ : إن المجتمع المتحضر اليوم متناقض جداً ومعقد ، ويفرط خاصة في توقع الأفضل من الأفراد . ويشاهد غالباً أن هناك اختلافاً كبيراً بين تربية البيت والمسجد ، أو الكنيسة والمدرسة وبين التعليم الذي يتوقعه المجتمع » (2) .
____________
(1) الأخلاق والشخصية ، ص 126 .
(2) علم الاجتماع ، ص 111 .

( 3 )

ضياع الشباب :
« يقول الدكتور هاريس: تطرح الحياة خارج محيط المنزل والمدرسة ، ( أي في صالات السينما والمحافل ، ومواضيع الكتب والمجلات والتلفزيون ) ، أمام الشباب مواضيع ليس لها ذكر في البيت والمدرسة والمراكز الدينية ، أو هي مواضيع مخالفة لمواضيع هذه الأماكن ، ولذا فإن الشباب ، الذين لم ينضجوا عقلياً بموازاة النمو الجسمي ، يصابون بالضياع ولا يستطيعون أيجاد انسجام بين أحاسيسهم وحقائق المجتمع » (1) .
لقد اُصيب إنسان اليوم ، نتيجة التحول الثقافي ، باضطراب نفسي وتناقض فكري لدرجة أن البعض قد تعرض لأمراض نفسية . إن ثقافة اليوم قد ألحقت أضراراً بالمبادئ الإيمانية والأخلاقية ، التي هي نقطة ارتكاز النفس ، والمقر الأساسي لهدوء الضمير ، وسلبت راحة الفكر من الناس . إن الكثير من الأشخاص تأثروا تأثيراً كبيراً بالمواضيع المتناقضة للثقافة الجديدة لدرجة أنهم أخذوا ينظرون إلى جميع القضايا الدينية والعلمية والأخلاقية الأساسية نظرة شك وتردد فيها الكثير من سوء الظن أدت بهم إلى الضياع والحيرة وجعلت في داخلهم صراعاً دائماً مع النفس في اتخاذ أي قرار ، وفي انسجامهم مع الظروف المحيطة .

عجز في مواجهة التغييرات :
« إن التغييرات السريعة في الثقافات أوجدت أفكاراً جديدة ، وقد أدى هذا الوضع الفوضوي بالكثير من الأشخاص الى الحيرة والضياع وتعذبت نفوسهم نتيجة عدم استطاعتهم إشباع رغباتهم والانسجام مع المقتضيات الإجتماعية ، ولهذا السبب فمن المحتمل أن يصاب مثل هؤلاء الأشخاص بمختلف أنواع الأمراض
____________
(1) المشاكل النفسية للشباب ص 20 .
( 4 )

والعقد النفسية ، التي تؤدي بهم إلى الانتحار ، أو الانخراط في زمرة المجرمين .
يذكر ( بلوك ) في كتابه ( الاختلال الفردي والاجتماعي ) أن الأشخاص عندما يواجهون تغييرات اجتماعية عميقة غير متوقعة ، ويعجزون عن الانسجام مع هذه التغييرات يحتمل أن يسلكوا خمس طرق :
1 ـ الانسجام مع الآداب والتقاليد الجديدة .
2 ـ إيجاد طريقة أخلاقية خاصة والسعي لكي يقبل المجتمع ذلك .
3 ـ سلوك الأساليب غير الاجتماعية كالجريمة والتمرد على النظام الموجود والهجوم عليه .
4 ـ الابتعاد عن المجتمع والابتلاء بالأمراض النفسية المختلفة .
5 ـ سلوك طريق الانتحار ، هرباً من الحياة » (1) .

اختلاف الآراء لدى الشيوخ والشباب :
إن التحول السريع للثقافة في عصرنا ترك أثراً عميقاً في المجتمعات البشرية وأحدث تغييرات في مختلف مجالات العقائد والآراء لجميع الطبقات . والتحول الثقافي غيّر كيفية تفكير الناس في الكثير من القضايا الدينية والعلمية والأخلاقية والاجتماعية والتعليمية والتربوية ، والقضايا النظرية والعملية الاخرى ، ونتيجة لذلك ظهر اختلاف في وجهات النظر ، وتناقض في التفكير لدى الكثير من الشبان والكبار في العائلات والمجتمعات .
من الملاحظ أن هناك فوارق بين الناس في كسب العلم واستيعابه كما
____________
(1) علم الإجتماع ، ص 112 .
( 5 )

تختلف مستوياتهم العلمية ، ولهذا السبب تختلف أيضاً وجهات النظر بين الشيوخ والشباب في العائلات ، وإن نقاشهم وبحثهم يتناسب والمستوى العلمي والثقافي لكل عائلة .

العائلات المتعلمة :
ففي العائلات التي يكون الشيوخ فيها أو على الأقل كبير العائلة يكون متعلماً ، والشباب فيها مثقفون ، إذا حصل اختلاف في الرأي بينهم في بعض القضايا ، فمن الممكن حله بالبحث والتفاهم ، وإذا كانت الاختلافات عميقة ومبدئية ولا يمكن حلها بالطريقة السابقة فإنهم يقطعون النقاش ويبقى كل واحد منهم على رأيه ، والحقيقة أنه من النادر أن يحدث في مثل هذه العائلات اختلافات علمية ونظرية تؤدي إلى العداء والخصومة وتوتر أجواء البيت لدرجة وقوع جرائم .

العائلات الأمية :
أما اختلافات الشيوخ والشباب في العائلات الاُمية فليس هناك أي أساس علمي لذلك وإنما يعود معظمه إلى الانحرافات الأخلاقية لدى الفتيان والفتيات فشباب هذه العائلات لم يحصلوا على القدر الكافي من العلوم ولم يدخلوا المدارس لاكتساب العلم ، ولم يستفيدوا مما دونه العلماء في كتبهم ليرتفع مستوى تفكيرهم ، وهم اُميون كآبائهم واُمهاتهم . ولكن مشاهدة الأفلام المنحطة والجنائية التي هي من مظاهر الثقافة الجديدة ، وكذلك المعاشرات الفاسدة ، ومشاهدة المناظر الضالة ، استطاعت أن تترك أثراً على أخلاق وتصرفات بعض هؤلاء ، فدفعت بهم نحو الفساد والشر ، وشرب الخمر والمقامرة ، والسرقة والجريمة ، وبقية الممارسات الضارة .
للأسف أن الإنسان يتعلم الرذائل بسهولة أكثر من اكتسابه الفضائل وتعلمه للشر أسرع من تعلمه للخير . ومن الصعب جداً بلوغ العدالة والإنصاف والتخلق بالعفة وكف النفس عن الخبائث ، وغيرها من السجايا الإنسانية ، لكن


( 6 )

من السهل جداً تعلم الظلم والاستبداد ، والفساد واللامبالاة ، وغيرها من الرذائل الأخلاقية .
قال علي عليه السلام : « ما أصعب اكتساب الفضائل وأيسر إتلافها » (1) .

العار الاجتماعي :
إن الوالدين والكبار في هذه العائلات يتأثرون لمشاهدة التصرفات الشريرة للشباب ، وذلك خوفاً مما قد يصيب العائلة من سمعة سيئة وعار اجتماعي ويقولون : إن هؤلاء الشباب قد أساءوا لسمعة العائلة وكرامتها بتصرفاتهم السيئة .
وإذا كان الكبار في العائلة متمسكين بالتعاليم الدينية فإن انزعاجهم يكون مضاعفاً ، أولاً للإساءة إلى سمعة العائلة ، وثانياً بسبب مخالفة القرارات الدينية .
إن الخلاف بين الكبار والشباب في هذه العائلات لا يمكن أن يأخذ شكلاً علمياً واستدلالياً ، لأن الطرفين يفتقدان العلم والاستدلال ، ويتصف اختلافهم بالاعتراض والمؤاخذة ، أو العنف ، أو المشاجرة والصراخ ، وقد ينتهي أحياناً بالضرب والجرح ، وربما القتل والجريمة .

الشباب المتعلم والشيوخ الاميون :
إن المشكلة الكبرى هي في العائلات التي يكون كبارها قد حرموا من التعليم في مرحلة الطفولة لعدم وجود مدرسة أو معلم أو لأي سبب آخر وبقوا اُميين ، ولكن أبناءهم الشباب درجوا في مدارج العلم نتيجة وجود الظروف التعلمية ، ودخلوا المدارس منذ الصغر . في مثل هذه العائلات ولاختلاف المستوى العلمي والثقافي ، توجد خلافات كثيرة بين الشباب والشيوخ في الكثير من القضايا ، وهذا ما يدفعهم للمواجهة .
____________
(1) شرح ابن أبي الحديد ، ج 20 ص 259 الكلمة ، 38 .
( 7 )

فالشباب المثقف فضلاً عن أنهم لا يعيرون أهمية لآراء الكبار ولا يتبعون أفكارهم ، وإنما عندما يشاهدون شيئاً يستوجب اختلاف الرأي يفتحون أفواههم بالانتقاد ويرفضون اسلوب آبائهم واسلوب الكبار ويعتبرونه خاطئاً مما يدفع بالكبار لاتخاذ موقف دفاعي عن آرائهم من خلال البحث والنقاش الذي قد يؤدي في بعض الأحيان إلى النزاع ، وإذا تطور يصل الجدال إلى قطع العلاقات العائلية ، فينفصل الأبناء عن الآباء ، والنساء عن الأزواج ، فتتدمر العائلات وتتشتت .

العائلات والتحول الثقافي :
وعليه فإن التحول الثقافي يترك أثراً ـ بشكل ما ـ على العائلات المثقفة وغير المثقفة ، ويوجد الاختلاف بين الشيوخ والشباب ، ولكي نوضح جانباً صغيراً من هذا الاختلاف الكبير ، ونقدم سبلاً لتقليل هذا التضاد وعدم الانسجام ، نناقش هنا قسماً من مطالب الشباب المتعلم ، التي تدورغالباً حول ثلاثة مواضيع تعاني منها أكثر العائلات .
أحدها انتقادهم لبعض الآداب والتقاليد الاجتماعية ، وهذا ما سنبحثه في هذه المحاضرة ، والآخر اسئلة الشباب حول الله تبارك وتعالى والقضايا الدينية ، التي يكون البحث فيها في المحاضرتين القادمتين . ولتوضيح البحث يلزم أولاً أن نقدم توضيحاً عن الآداب والتقاليد الاجتماعية .

العادات والتقاليد :
منذ القدم كانت هناك آداب وتقاليد وسنن وآراء تعتنقها الشعوب المختلفة ، البعض منها ، يمكن تبريره تبعاً للظروف الزمانية والمكانية وطبقاً للحاجات الاقتصادية والمصالح الاجتماعية وشؤون العائلة ، والبعض الآخر منها نتيجة الجهل والخرافات ، التي قد يكون لها أحياناً جانب جنائي ، وتعتبر من الممارسات اللاإنسانية . وسنورد مثالاً لك قسم من هذه الأقسام الثلاثة .
القسم الأول : العادات التي يمكن تبريرها نتيجة ظروف الزمن :


( 8 )

« 1 ـ المرأة المطلقة في قبيلة ( سكالا واي ) في مدغشقر لا تتمكن بدون موافقة زوجها السابق أن تتزوج ثانية ، والزوج السابق يعقد اتفاقية مع الزوج الجديد على أن يكون الأطفال الثلاثة الأوائل من الزوج الجديد أبناءً له . ويقول أهالي هذه القبيلة إن فائدة هؤلاء الأطفال كفائدة أطفاله له ، وهذا العمل يدل على أن للأطفال فائدة اقتصادية » (1) .
« 2 ـ إن القبائل البدائية غالباً ما يتزوج أفرادها من خارج قبيلتهم . ويعتقد تايلور (tylor) أن الزواج من خارج القبيلة يؤدي إلى علاقات ودية مع عدة قبائل اخرى هي بدورها تعقد مثل هذا الزواج مع قبائل اخرى فتعود عليهم هذه العلاقات بالنفع ( على القبائل الوحشية أن تتذكر دائماً أن أمامها أمرين : إما أن يتزوج أفرادها من القبائل الاخرى أو يُقتلون خارج قبيلتهم ) ، وبما أن الزواج من القبائل الأخرى له هذه الفائدة ، فإن الزواج من القبيلة نفسها يجب أن يكون مذموماً ومرفوضاً » (2) .
« 3 ـ أن ينجب المرء ابناً يعتبر في الصين من الواجبات لأنه يهتم بقبور والديه ويحرق لذكراهم البخور ، وبهذا الشكل فإنه يقوم بتخليدهما . وعلى هذا فمن الممكن أن يكون طلب الولد هو خلود الإنسان من خلال الآخرين » (3) .
القسم الثاني : العادات الخرافية والوهمية :
« 1 ـ كان ( الأريون ) يعتقدون أن أرواح الأموات تحتاج إلى الطعام والشراب والمسكن ، وأن الأرواح التي لا تملك مسكناً وطعاماً تبقى جائعة وضائعة دائماً فإنها لا تستطيع المحافظة على
____________
(1) علم النفس الإجتماعي ، ج 1 ص 89 .
(2 و 3) المصدر السابق ، ج 1 ص 89 و 149 .

( 9 )

أفراد العائلة بل تكون طيفاً مرعباً لهم . إن هدوء الروح لا يتم إلا بدفن الميت باحترام وخشوع ويوضع في قبره الخمر والحليب والعسل .
2 ـ يجب أن يكون المدفن أمام المنزل ليس بعيداً عن الباب وقريباً من أفراد العائلة لكي يواجهوا أرواحهم في دخولهم وخروجهم ويتحدثوا إليهم ويتضرعوا ويبكوا .
3 ـ وكانوا يملكون مكاناً خاصاً لإشعال النار المقدسة داخل المنزل ويضعون الطعام في النار ، وكانوا يعتقدون أنه طالما كانت النار مشتعلة فإن أرواح الأموات تحوم حولها ، ولذا يجب أن تكون النار مشتعلة دائماً ، إلى أن يموت آخر فرد في العائلة وتنقرض بكاملها » (1) .
القسم الثالث : العادات والتقاليد ذات الطابع الإجرامي اللاإنساني فضلاً عن بعدها الخرافي :
« 1 ـ كان المصريون القدماء يطرحون في النيل فتاة يسمونها عروس النيل حين يتم فيضانه كتقدمة شكر له على اعتقاد أنه إله الخصب ، وما زالت هذه العادة تتوارثها الأجيال المصرية حتى اليوم ، وإنما تغير الجوهر والعرض معاً (2) .
2 ـ في الهند ، كانت العادة أن يلقوا بأشخاص في النهر قرابين للآلهة بغية استنزال المطر . وفي عام 1924 ، شح المطر في منطقة من مناطق الهند ، واعتقد الناس أن آلهة المطر غضبت على شخص ما ولذا شح المطر ، فأخذوا يبحثون عن هذا الشخص حتى
____________
(1) علم الإجتماع ، نقولا حداد ، ج 2 ص 265 .
(2) علم الإجتماع ، نقولا حداد ، ج 1 ص 141 .

( 10 )

إذا وجدوه أحرقوه حياً ليزول غضب الألهة فترسل مطراً ، وعلمت الحكومة بهذا الأمر فأعلنت أن من يشترك في هذا الموضوع سيعاقب بشدة .
3 ـ في الهند ، كانت العادة أنه عندما يموت الزوج ، فلا يجب أن تبقى الزوجة على قيد الحياة ، ولهذا فعندما كانوا يدفنون الميت كان الناس يحضرون ويضعون الزوجة الحية في القبر ويهيلون عليها التراب » (1) .
وفي عصرنا هذا أيضاً ، هناك شعوب متقدمة ومتخلفة ونامية ، لها عقائد وآراء وتقاليد بعضها عقلاني يمكن تبريره ، وبعضه الآخر وهمي وخرافي بل وربما ظالم ولا إنساني .
في الدول الغربية المتقدمة ، يعتقد أتباع الكنيسة بالأقانيم الثلاثة الأب والإبن والروح القدس ، إن فكرة التثليث الخرافية تغطي ككتلة من سحاب قاتم سماء أوربا وأمريكا .
وهناك الكثير من الناس في بلاد المغرب يعتقدون بالأعمال الوهمية للسحرة والمشعوذين ، ويعتبرونها عادات مقبولة ، وينفقون سنوياً قسماً من أموالهم ووقتهم في هذا المجال .

التشاؤم من الرقم 13 :
كما أن عالم الغرب المتمدن يعتبر الرقم 13 رقماً مشؤوماً ، ولذا لا يرغب الناس أن يكون رقم منزلهم 13 ، أو رقم غرفتهم 13 في الفندق أو المكان الذي يسكنون فيه ، ولا يرغبون تناول الطعام على مائدة عليها ثلاثة عشر شخصاً .
____________
(1) علم الإجتماع ، نقولا حداد ، ج 1 ص 180 .
( 11 )

« يقول الدكتور مارتين لوثركينغ : إن أكبر حاجات الإنسان هو أن يجعل نفسه فوق مستنقع الدعايات الكاذبة ، فالأشخاص المصابون بالأمراض والضعف النفسي يستسلمون بسرعة إلى الخرافات ، وأنفسهم قلقة وخائفة دائماً ، يخافون من يوم الأحد الثالث عشر من الشهر ، ومن القطة السوداء التي تضع يديها فوق بعض على شكل صليب . ولقد لاحظت شخصياً عندما كنت في مصعد كهربائي في فندق كبير بنيويورك أن الفندق ليس فيه طابق برقم 13 ، بل يوجد طابق 14 بعد طابق 12 ، فسألت موظف المصعد عن السبب فأجاب إن هذه العادة متبعة في معظم الفنادق ، لأن عدداً كبيراً من النزلاء يخافون الإقامة في الطابق 13 ، ثم أضاف : بل إن البعض عندما يرون أن الطابق 14 هو بدل الطابق 13 يمتنعون عن الإقامة فيه » (1) .

الصنم والتضحية بالأبناء :
في الشرق ، أيضاً ، توجد عقائد خرافية كثيرة ، ولا يزال عدد كبير من الناس يعبدون الأوثان ، ويصرون على ذلك ، حتى إن البعض من هؤلاء الناس أصبحوا أسرى الأوثان الجامدة ، وتصوروا أنها مصدر قرار يؤثر في حياتهم ، لدرجة أنهم مستعدون لتقديم أبنائهم قرابين لها ، فقبل ثلاث سنوات ذكر نبأ في صحيفة أن المحكمة الجنائية في مدينة ( جيبور ) الهندية قد حكمت بالإعدام على شخصين لتقديمهما صبياً في الثانية عشرة من عمره قرباناً لأحد الآلهة الهنود . وكان هذان الشخصان قد عقدا اتفاقية لصنع أحواض الماء مع دائرة المياه الصالحة للشرب في المدينة ، وقبل قيامهم بالعمل ذبحا الصبي أمام الصنم وهما يطلبان رضى الآلهة ومنحهما ذلك التوفيق في العمل الذي عقدا الاتفاقية عليه .
____________
(1) النداء الأسود ص 7 .
( 12 )

إن الامم والشعوب المختلفة في العالم ، قديماً وحديثاً ، كانوا ولا يزالون أسرى العقائد الخرافية والأفكار الخاطئة .
والطريف إن عقائد وآراء الشعوب والاُمم ، صحيحة كانت أم خاطئة ، هي التي تبني المحيط الاجتماعي وهو بدوره يكون قوياً لدرجة أن أحكامه وقوانينه تُفرض على الشخص وتنشئه على التماثل مع المجتمع .
إن العلماء يعتقدون أن المحيط الاجتماعي يلعب دوراً أكثر تأثيراً من المحيط الطبيعي في صنع الشخصية وتنشئة الأفراد .

دور المحيط في شخصية الفرد :
« إننا غارقون في عادات محيطنا مثل غرق خلايا النسيج في السوائل العضوية . ونحن مثل هذه الخلايا عاجزون عن الدفاع عن أنفسنا ضد تأثير المجتمع . إن الجسم يقاوم العالم الكوني بقوة أكثر مما يقاوم بها العالم النفسي . . . إنه محروس ضد غارات أعدائه الطبيعية والكيميائية بواسطة الجلد والأغشية المخاطية للجهازين التنفسي والهضمي أما حدود العقل فهي على العكس من ذلك مفتوحة دائماً ، وهكذا يتعرض الشعور لهجوم المحيط العقلي والروحي وتبعاً لطبيعة هذا الهجوم ينمو العقل إما في حالة طبيعية أو ناقصاً » (1) .
« إن للمجتمع قوة اجتماعية ونفسية ، والأشخاص يفتقرون إليها منفردين ، وهذه القوة هي ( الثقافة ) أو ( الآداب والتقاليد ) . فالأداب والتقاليد الاجتماعية هي عبارة عن وسائل يضعها المجتمع تحت تصرف الأشخاص ، كما أن هذه الآداب والتقاليد هي التي تفرض على الفرد السلوك الاجتماعي ، ولهذا السبب
____________
(1) الإنسان ذلك المجهول ص 143 .
( 13 )

يجب اعتبارها أعلى من الفرد » (1) .
من الضروري القول إن المحيط الإجتماعي مع قوته وقدرته على فرض رغباته على الأفراد وتحميلهم صفات المجتمع ، إلا أن ذلك ليس ثابتاً ودائماً ، لأن هناك عوامل وأسباب عديدة من الممكن أن تغير المحيط الإجتماعي ، وتغير السنن والتقاليد العامة ، وتحارب العقائد الخرافية ، وتحول دون الأعمال الاإنسانية .

عوامل تغيير المحيط :
ومن تلك العوامل القادرة على تغيير المحيط هي قرارات الحكومات القوية ، وإرادة الأشخاص العظماء ، وارتفاع مستوى الثقافة لدى الناس . لتوضيح هذا الموضوع نشير إلى هذه العوامل باختصار :
الحكومات القوية : إن أحد العوامل التي بإمكانها التأثير في المحيط الاجتماعي وتغير مسير المجتمع ، هو عزم الحكومات ، فالحكام المقتدرون يستطيعون من خلال قواتهم العسكرية والمدنية ، محاربة الأفكار الخاطئة والعقائد الخرافية ، وإلغاء الآداب والتقاليد الباطلة المتفشية بين الناس ، ومنع الأعمال غير العقلانية والتصرفات الاإنسانية للجهلة عن طريق القوة . طبعاً هذه المكافحة يجب أن تكون عميقة ومستمرة ، لدرجة تبعث اليأس في قلوب اُولئك الجهلة من القيام بأعمالهم الخاطئة وتجعلهم ينسون رويداً رويداً أفكارهم الباطلة .
فلولا وجود حكومات قوية في البلدان التي تشيع فها عبادة الأوثان ، ولولا وجود القوانين الجزائية لذهب الكثير من الأطفال قرابين يقدمها عباد الأوثان الجهلة .
ولولا أن الحكومة الهندية قامت بمنع التقاليد الجاهلية لتم دفن عدد من
____________
(1) علم الإجتماع صموئيل كينغ ص 392 .
( 14 )

النساء الأحياء مع أجساد أزواجهن الأموات في كل سنة ، وربما قام أشخاص بتقديم قرابين بشرية لآلهة المطر بإلقائهم في أمواج النهر الثائرة .
على أية حال ، تعتبر الحكومة من العوامل التي تستطيع أن تغير الآداب والتقاليد الإجتماعية في المحيط الاجتماعي . ورغم أن التربية في مرحلة الطفولة تترك أثراً في أعماق كيان الإنسان ، ويبقى هذا الأثر حتى آخر العمر ، إلا أن الحكام المقتدرين بإمكانهم التغلب على آثار التربية عند الناس ، وإزالة ما تعلق لدى الأطفال من الأساليب التي تعلموها من الوالدين ، وإحلال أساليبهم مكانها .
قال علي عليه السلام : « الناس بأمرائهم أشبه منهم بآبائهم » (1) .

إرادة العظماء :
إن وجود العظماء ذوي الإرادة القوية هو عامل من عوامل تحول المجتمع . فإن عامة الناس يقعون تحت تأثير محيطهم الإجتماعي شاءوا أم أبو ، فيتبعون الآداب والتقاليد الحسنة والسيئة لمجتمعهم ، وينشأون عليها كسائر الناس بوعي منهم أو بدون وعي . ولكن أحياناً يظهر في المجتعات البشرية أشخاص عظماء ونوابغ ذووا إرادة صلبة لا تلين يختطون لأنفسهم مناهج غير تلك التي يسير عليها المجتمع ويعارضون ما دأب المجتمع على اتباعه من تقاليد خرافية وسنن خاطئة ، فيبدأون نضالاً من أجل ذلك ، دون أن يثني عزمهم شيء ويزعزع من إرادتهم أمر ، فإنهم يصمدون حتى الوصول إلى الهدف دون أن يشعروا بكلل أو ملل .
قال الصادق عليه السلام : « ما ضعف بدن عما قويت عليه النيّة » (2) .
إن اُولئك النوابغ وبإرادة الإصلاح الخيرة يقومون في سبيل الوصول إلى هدفهم المقدس ، بجهاد متواصل ومساع حثيثة ولا يضعفون أمام ردود فعل الناس بل يقاومون ، ويكتسبون ذوي الاستعداد من الناس بالمنطق
____________
(1) تحف العقول ص 208 .
(2) وسائل الشيعة ج 1 باب استحباب نية الخير ص 7 .